على مدى الأربعمائة إلى الستمئة سنة التي سبقت، شهدت معظم أجزاء الكرة الأرضية انتشار حضارة ومجتمعات تكرس الفكرة التي انطلقت من معظم أنحاء أوروبا والتي تعتبر التجارة والاستهلاك مصدرين أساسيين للعيش الكريم.
أنت هنا
قراءة كتاب الرأسمالية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
قد شكل ظهور مجتمع النمو المضطرد والثقافة الرأسمالية، مرحلة جديدة ضمن العملية التاريخية الجارية التي كانت قد انطلقت منذ القرن الخامس عشر وحتى أوائل القرن التاسع عشر. ولعل خلق هذا النوع من البشر الذي يسمى المستهلك هو ما ميز هذه المرحلة التي جاءت بعد ظهور فئتين فريدتين من البشر عبر التاريخ هما: الرأسماليون والعُمّال. بالطبع، كان التجار موجودين منذ آلاف السنين كما أن الناس كانوا يعملون لإنتاج البضائع واستهلاك ما ينتجوه منها، ولكن لم يحدث أبداً عبر التاريخ أن وجد مجتمع مؤسس على هذه الفئات من الناس: الرأسمالي الذي يعمل لهدف وحيد هو استثمار المال وجمع الأرباح، والعامل الذي لا يملك وسيلة للعيش إلا جهده وتعبه، والمستهلك الذي جعل هدفه الوحيد شراء الخدمات والبضائع واستهلاكها بكميات متزايدة.
في واقع الأمر، يلعب جميع الأميركيين في بعض مراحل حياتهم أدوار المستهلكين، أو العمال أو الرأسماليين. وهم كمستهلكين يقومون بشراء الأشياء، وكعمال يعملون من أجل تحصيل الرواتب، وكرأسماليين يستثمرون أموالهم في البنوك، وفي سندات التأمين وخطط التقاعد والأسهم التي يشارك فيها عدد يصل إلى أكثر بقليل من نصف العائلات الأميركية، أكان مباشرة أو من خلال حسابات الاستثمار، وكذلك في التعليم وغيرها من المشاريع التي يتوخّون منها تحقيق الربح. ولعل ما يربط بين جميع هذه الأدوار، وبالتأكيد ما يربط هذه الحضارة بأكملها، هو المال أو النقود.
لكل حضارة أسلوبها المميز وعناصرها وطقوسها وأدواتها التي تحدد لأعضائها ما هو مهم في هذه الحياة. فقبائل الدوجون في غرب إفريقيا تشرح وجودها من خلال فنونها، وكذلك يصف سكان جزيرة بالي في إندونيسيا وجودهم عبر المسرح والموسيقى. وينشغل أهالي جزر تروبرياند في تجميع البطاطا الحلوة وتبادل العقود والأساور المصنوعة من الصدف كجزء من طقوسهم. أما قبائل الإزتك في المكسيك فقد اشتهرت بالقرابين البشرية التي كانت تقدمها. وكان الجاموس يشكل العنصر الأساسي في حضارة سكان السهول الأصليين في أميركا. وهكذا فإن العنصر الأساسي في الحضارة الرأسمالية هو المال، حيث يرغب المستهلكون في إنفاق ما استطاعوا منه، ويجهد العمال للحصول على ما يستطيعون منه، ويعمل الرأسماليون على استثمار الأموال من أجل الحصول على مردود أعلى. وفي هذا الصدد يصف جاك وذرفورد (1997: ص11) العلاقات، ليس فقط بين البائعين والشارين في الأسواق أو بين الموظفين والعمال في أماكن العمال، بل يتعدى ذلك إلى وصف العلاقات بين الأهل وأطفالهم وبين الأصدقاء بعضهم البعض، وبين السياسيين والناخبين والجيران وبين الكنيسة وأتباعها. تشكل النقود المؤسسات المركزية للاقتصاد الحديث وللأسواق الحديثة، وتتجمع حولها المؤسسات اللاحقة الأخرى كالقرابة والدين والسياسة، كما أنها تعتبر لغة التجارة في العصر الحديث.
ويكتب الاقتصادي روبرت غوتمان (1994:ص17) أنه من بعد الحب والخوف، لا توجد أية قوة دافعة أخرى في حياتنا أكثر من النقود. فهي الطريقة الوحيدة التي يمكنك بواسطتها قانونياً الحصول على البضائع والخدمات والأشياء الثمينة، كما أنها، وإلى الحد الذي نقوم بإنفاقها، تحتم علينا التنافس مع بعضنا البعض من أجل الحصول عليها مرة أخرى.
يمكن تفهم طريقة عمل الحضارة الرأسمالية على أنها مجموعات من العلاقات التي تربط بين الرأسماليين والعمال والمستهلكين، عبر السعي وراء النقود، كل يعتمد في ذلك على الآخر، وكل يضع مطالبه أمام الآخر، في نفس الوقت وربما يدخل في نزاع معه. ضمن هذه البيئة الحضارية، تلعب الدولة القومية، من بين مهماتها الأخرى، دور الوسيط الذي يضبط إيجاد الأموال وتدفقها ويضع ويطبق القوانين التي تتحكم في تفاعلاتها. (ويعتبر الشكل 1.1 نموذجاً مبسطاً لذلك، ولكنه يحدد الملامح الأساسية والأسلوب الفريد للحضارة الرأسمالية).
إلا أن النقود تشكل بوضوح المفتاح لفهم هذه الحضارة، ويذكر جاكوب نيدلمان (1991: ص ص40-41) في زمان ومكان آخر ما يلي:
لا يرغب كل إنسان في المال قبل كل شيء، فبعض الناس يرغبون بالخلاص أو يسعون وراء الخلاص والجمال والنفوذ والقوة والمتعة والازدهار والتفسيرات والطعام والمغامرات والغزو والراحة. ولكن ما بين هنا وهناك، تبقى النقود بحد ذاتها وليس ما يمكن أن تشتريه، مطلباً لكل إنسان. فالنفقات المادية لطاقة الإنسان لا تمر إلا عبر النقود... لذلك إذا أراد المرء أن يفهم الحياة، فإن عليه أن يفهم المال في المرحلة الحالية من التاريخ والحضارة.
والمرء بحاجة إلى النقود باعتبارها وسيلة للتبادل. ولكي يؤدي أي نظام وظيفته، فإنه يحتاج إلى تزويد متواصل بالمال وذلك من أجل استمرار نموه. لماذا الأمر على هذا الشكل؟ لا يبدو الجواب ظاهراً لدى العديد من الاقتصاديين ولكن هؤلاء يعلمون تمام العلم أنه إذا توقف سيل النقود فإن النظام بأكمله ينهار ويدخل في فوضى اقتصادية وسياسية واجتماعية عارمة. وفي حقيقة الأمر، إن جميع المواضيع التي يبحثها هذا الكتاب، ترتبط بطريقة أو بأخرى بالنقود وبسعي الناس للحصول عليها.
ويكرس الجزء الأول من الكتاب لتحديد التفاعل بين المستهلك والعامل والرأسمالي والدولة القومية، وكيف يتوجب على كل من هؤلاء أن يعمل من أجل ضمان عمل المجتمع. أما في الجزء الثاني فنقوم بتفحص ما يطلق عليه الاقتصاديون المظاهر الخارجية للسوق: أي بعض النتائج غير المتعمدة التي تتسبب في حدوث التفاعل بين المستهلك والعامل والرأسمالي والدولة القومية. وأخيراً نقوم في الجزء الثالث من الكتاب باستكشاف مدى المعارضة التي تقف ضد هذه المظاهر الخارجية.
ولكن أولاً، وأمام الدور المركزي الذي تلعبه النقود في عمل المجتمع بكامله، دعونا نبدأ بعرض مقدمة موجزة حول طبيعة النقود، ونستكشف كيف تبوأت النقود مكانتها من الأهمية، بحيث وصلت إلى تحديد كيفية الحياة التي نعيشها.


