أنت هنا

قراءة كتاب الرأسمالية

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
الرأسمالية

الرأسمالية

على مدى الأربعمائة إلى الستمئة سنة التي سبقت، شهدت معظم أجزاء الكرة الأرضية انتشار حضارة ومجتمعات تكرس الفكرة التي انطلقت من معظم أنحاء أوروبا والتي تعتبر التجارة والاستهلاك مصدرين أساسيين للعيش الكريم.

تقييمك:
5
Average: 5 (1 vote)
الصفحة رقم: 9

إعادة صنع الاستهلاك

بالطبع، لم يكن المستهلك يظهر بكامل امتداده في الولايات المتحدة في أوائل القرن العشرين. وحتى في القرن الثامن عشر، كان التجار في كل من بريطانيا العظمى وفرنسا وغيرها يبدون قلقهم من إنتاج بضائع أكثر مما يمكن بيعه. ولكن التجار عموماً كانوا يهتمون بكيفية تسويق أو عرض البضائع على افتراض أن الناس يشترون بضائعهم عندما يحتاجون إليها. وقد كان هذا الموقف بالذات هو الذي يتعرض للتغيير العميق في الولايات المتحدة قبل قرن من الزمان.
إلا أن هذا التغيير لم يحدث بشكل طبيعي، وفي الحقيقة ركزت ثقافة الولايات المتحدة، في القرن التاسع عشر، ليس على الاستهلاك غير المحدود بل على الاعتدال ونكران الذات. وكان المتوقع من الناس، والعاملين منهم على وجه الخصوص، أن يكونوا مقتصدين وأن يوفروا أموالهم فقد كان يُنظر إلى الإنفاق على أمور الترف والرفاهية كشيء عديم الفائدة. وكانت الناس لا تشتري إلا الضروريات كالأطعمة الأساسية والملابس والأدوات والأجهزة المنزلية، وكانوا يتشاركون في المواد الأساسية ما استطاعوا. وإذا ما نظرنا إلى جردة نموذجية لممتلكات أي عائلة أميركية بين عامي 1880 و1870 فسنجد نمطاً يختلف تماماً عن النمط المتبع اليوم. ففي 1870، كانت نسبة 53% من السكان تعيش في المزارع أو تعمل فيها وتنتج معظم ما كانت تستهلكه. وقد سجل على إحدى سيدات مدينة فيرمونت صنعها 421 فطيرة و152 قالب حلوى و2140 حبة حلوى «دونتس» و1038 رغيف من الخبز في عام واحد (سوذرلاند 1989:ص71). كذلك كانت قطع الأثاث الموجودة في المنازل بسيطة نسبياً: مائدة طعام، كراسي خشبية، أسرّة وربما سجادة أو قطعة قماش أرضية. ولم تكن هناك سوى أجهزة منزلية قليلة تساعد ربّة المنزل في عملها مثل أفران الطبخ، وخفاقات البيض، وكاشطات قشر التفاح وطحانات القهوة وقشارات البازيلاء، بينما كانت معظم الأدوات المنزلية الأخرى تحتاج إلى جهد عضلي فحتى الغسالات اليدوية ظلت غير متوفرة في ذلك الزمان حتى أواخر أعوام السبعينات من القرن التاسع عشر. ورغم أن فقط أفقر العائلات وأكثرها عزلة لم تكن تبتاع أياً من الألبسة الجاهزة إلا أن بقية الناس كانت تحيك معظم ثيابها في منازلها وكانت هذه الثياب تؤدي وظيفتها بشكل جيد. إضافة إلى ذلك، ولأن الأغلبية العظمى من العائلات الأميركية كانت تعيش في المزارع، فقد بقي معظم رأس المال العائلي يستثمر في الأدوات والمعدات الزراعية. بالطبع كانت هناك استثناءات، فقد بقي أغنياء المجتمع يتنافسون مع بعضهم البعض ويتفاخرون بثرواتهم ومستوى رفاههم كما هي العادة منذ قرون. ولكن هؤلاء كانوا يشكلون نسبة ضئيلة من المجتمع.
بالطبع، لم يكن لدى الأميركيين كهرباء في ذلك الوقت ولم تكن السيارة قد اختُرعت بعد، وكان المخزون النقدي أكثر محدودية مما هو عليه اليوم. ولكن مع ذلك كان تغيير عادات التسوق والشراء يتطلب تحويل الكماليات إلى أساسيات، وقد تمت هذه العملية في أميركا بأربعة طرق: ثورة التسويق والإعلان، وإعادة بناء المؤسسات الاجتماعية الرئيسية، وثورة في القيم الثقافية والروحية، وإعادة تصور لموقع الفرد والطبقة التي ينتمي إليها.

الصفحات