أنت هنا

قراءة كتاب الرأسمالية

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
الرأسمالية

الرأسمالية

على مدى الأربعمائة إلى الستمئة سنة التي سبقت، شهدت معظم أجزاء الكرة الأرضية انتشار حضارة ومجتمعات تكرس الفكرة التي انطلقت من معظم أنحاء أوروبا والتي تعتبر التجارة والاستهلاك مصدرين أساسيين للعيش الكريم.

تقييمك:
5
Average: 5 (1 vote)
الصفحة رقم: 5

الخطوة الأولى: تطور نقود السلع

لعل استخدام الأشياء كوسيلة للتبادل، يعتبر قديماً قدم التجارة فقد عرف عن المجتمعات الصغيرة عبر العالم استخدامها للأصداف والفراء والأشياء الثمينة الأخرى على شكل نقود. كما يمكن تتبع تاريخ استخدام المعادن الثمينة كواسطة للتبادل إلى 5000 سنة من التاريخ في آسيا الوسطى، وكذلك تتبع استخدام العملة المعدنية إلى القرن السابع قبل الميلاد. وهذه الأشياء ليست إلا أمثلة عن «نقود السلع» التي تعرّف بأنها نقود تحمل قيمة بحد ذاتها تتجاوز قيمتها التبادلية. وهكذا يمكن للمعادن الثمينة المستخدمة في سبك العملات المعدنية أن تستخدم في صناعة المجوهرات وغيرها من الأشياء الفنية الجميلة.
وبشكل عام، تتساوى قيمة العملات المعدنية مع قيمة المعادن المستخدمة في تصنيعها. وبهذا فإن استخدام العملات المعدنية في التجارة تتضمن تبادل شيء ذي قيمة (مثل قميص) بشيء يحمل قيمة موازية (مثل ما يقابله من الذهب).
إلا أن العملات المعدنية حملت معها سلبية كبيرة. فقد كان من الصعب تخزينها ونقلها. كذلك، لم يكن من غير الشائع أن تجد أشخاصاً يذيبونها ويستخدمونها لأغراض أخرى، وبذلك يخرجونها من التداول. هنا تظهر أول لمسة من السحر حيث بدأ الناس باستبدال العملة المعدنية بالعملة الورقية التي ظهرت على شكل شهادات ورقية يمكن تبادلها مقابل سلع ذات قيمة، عادةً ما كانت ذهباً أو فضة. وأول ما استخدمت هذه الأوراق كان في القرن الثاني عشر في الصين، قبل أن تنتشر في أوروبا في القرنين الرابع والخامس عشر. (وليامز 1997). وهكذا، استطاع تاجر في ميلانو أن يشتري أقمشة من شخص يعيش في بروغز وأن يدفع له عملة ورقية مدعومة بالذهب الذي يستطيع البائع أن يسترجعه عبر طرف ثالث. وعادة ما كانت البنوك أو الحكومات تصدر هذه الأوراق النقدية التبادلية أو العملات الورقية. ولكن في واقع الأمر يستطيع أي شخص أن يفعل ذلك. نظرياً كان الأمر الأساسي هنا هو أن هذه الأوراق تمثل كمية محددة من عملة ذات قيمة، عادة ما تكون ذهباً أو فضة ويمكن استرجاعها عند الطلب من قِبَل حاملها.
شكل إصدار العملة الورقية خطوة هائلة ساعدت على تسريع النمو الاقتصادي لأنه لم يكن يحمل في طياته أي حدود لكمية الأموال التي يمكن إصدارها. كان الورق هو الخطوة الأولى في مسألة سحر النقود. فمن بعد أن كان الورق لا يحمل أية قيمة، أصبح اليوم يوازي الذهب والفضة وغيرهما من المعادن النفيسة. ويورد الاقتصادي هانز بتسوانغر في أحد كتبه الرائعة بعنوان «السحر والمال نقداً للاقتصاد العالمي على ضوء قصة فاوست للفنان غوتة»: كيف استطاع يوهان ولغانغ غوتة الذي عمل كوزير للمالية في بلاط ويمار، أن يستخدم كتابه الكلاسيكي «فاوست» الذي نشر في جزئين في 1808 و1832 كتعليق على الاقتصاد الصناعي، وأكثر تحديداً على طبيعة المال. كان فاوست الأصلي الذي بنيت عليه القصة، ساحراً وكيميائياً، يقوم بعقد صفقة مع مفيستوفيليس «الشيطان» الذي يشاركه في بناء مجتمع جديد قائم على النقود الورقية. ويبين بنسوانغر أن محاولات الكيميائي لتحويل الرصاص إلى ذهب قد توقفت ليس لأنها كانت عقيمة ولكن لأن الكيمياء قد أثبتت نجاعة كبيرة في أشكال أخرى، مما جعل من تلك الجهود الحثيثة المبذولة لإنتاج الذهب في المختبر أمراً لا ضرورة له. إذ لم يكن من بين أهداف الكيميائي الأساسية من أجل زيادة الثروة تحويل الرصاص بشكل فعلي إلى ذهب، بل كان يكفيه أن تتحول مادة لا قيمة لها إلى مادة ذات قيمة، مثلاً أن يتحول الورق إلى نقود (بنزوانغر 1994:ص9).
إلا أن مسألة نقود البضائع واجهت بعض المشاكل. أولاً، لم يكن هناك أي ضمان بأن تكون البضائع المستخدمة متساوية في قيمتها في مناطق مختلفة، إذ أن الذهب الذي يساوي قيمة معينة في مكان ما، قد لا يساوي القيمة نفسها في مكان آخر. ثانياً، أن أي شخص يمكنه نظرياً أن يصدر العملات؛ ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال، وفي القرن التاسع عشر، كانت هناك 30٫000 عملة مختلفة قيد التداول، وكانت تصدرها عدة مؤسسات بدءاً من البنوك إلى مخازن الأدوية. كانت المشكلة تكمن في أن قيمة هذه العملات واعتمادها يظلان غير مضمونين، وقد أثبتت هذه العملات في معظم الأحيان بطلان قيمتها مما أدى إلى تقويض ثقة الناس وإيمانهم بالنقود الورقية.
ثالثاً، وعلى الرغم من أن البنوك والمؤسسات، التي كانت تصدر مثل هذه العملات الورقية، كانت ملزمة بامتلاك ما يعادل قيمة إصداراتها الورقية من الذهب أو الفضة إلا أنها نادراً ما كانت تفعل. وفي الحقيقة، عملت البنوك من أجل تحقيق الأرباح على إصدار عملات على شكل قروض لم يكن يقابلها ما يساوي قيمتها من إيداعات الذهب أو الفضة في الوقت نفسه. فقد كانت البنوك تحقق الأرباح عبر الفوائد التي تفرضها على القروض، بينما كان الناس يملكون أموالاً أكثر للإنفاق. ولكن المشكلة وقعت إثر أفول الازدهار الاقتصادي، حيث بدأ الاقتصاد يتباطأ وبدأ المودعون يطالبون بذهبهم. ولما لم تستطع البنوك تلبية مطالب المودعين نتيجة إصدار عملات ورقية زائدة عما كان بين أيديها، فقد انهارت تلك البنوك والمؤسسات وفقد الناس ودائعهم.
لهذا، كان لربط النقود الورقية بسلعة معينة سلبياته أيضاً، فقد كانت هناك الآلاف من العملات المتضاربة، وقد انهارت البنوك عندما هرع الناس لتحويل عملاتهم الورقية إلى ذهب، وعندما ظهرت تذبذبات غير مقبولة في طرح النقود. إضافة إلى ذلك، إذا ارتبطت النقود بشكل صارم مع سلعة معينة فإن مخزون هذه النقود وبالتالي قوتها الاقتصادية لن تنمو إلا إذا تنامى مخزون السلعة نفسها.(1) وأمام وجود توجه أساسي نحو نمو اقتصادي مستمر تتحول النقود المرتبطة بالسلع لتصبح مشكلة حقيقية.
لقد حاولت الحكومة الأميركية معالجة بعض هذه المشاكل عبر إنشاء البنك الاحتياطي الفيدرالي في 1913. وكان الهدف من وراء إنشاء هذا البنك ضبط مسألة عرض النقود والعمل على استقرارها وتوازنها. وكانت النقود الورقية ما تزال مرتبطة بالذهب وكان باستطاعة أي شخص استرجاع ذهبه بتلك الأوراق، ولكن كان باستطاعة البنك الاحتياطي الفيدرالي أن يضمن وجود ما يكفي من الذهب لدى البنوك، أو يضمن حصولها عليه بسرعة من أجل تغطية السحوبات. وكان القانون يقضي بأن يكون لدى تلك البنوك كمية من الذهب مساوية لعشرة في المئة من ديونها الحقيقية، مما يتيح لها الوفاء بما يُطلب منها من الذهب وإيجاد نقود جديدة من خلال الإقراض، إذا أصبح بمقدور تلك البنوك وغيرها من المؤسسات المالية أن تؤمن تسعة دولارات جديدة مقابل كل دولار يودع لديها. ولكن بنك الاحتياط الفيدرالي ظل عاجزاً عن معالجة القيود المفروضة على النمو الاقتصادي من خلال ربط النقود بسلعة ثابتة. وقد تطلب حل تلك المشكلة ضرباً آخر من ضروب السحر إضافة إلى إصدار قانون حكومي آخر.

الصفحات