كتاب "في رحاب المسجد الأقصى" لمؤلفه د.
أنت هنا
قراءة كتاب في رحاب المسجد الأقصى
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
القسم الأول
الخواطر
من قاع الذاكرة
وربما كانت الوقفة الأولى، التي أقف فيها على بلاط المسجد، تعود إلى أوائل الأربعينيات من القرن الماضي، حينما كان والدي، رحمه الله تعالى، يصطحبني معه إلى الصلاة في المسجد الأقصى، فلم أستطع أن أستوعب كيف أن المصلي يفقد الاتصال بمن معه من الأطفال، عند الشروع في الصلاة، ويصير اتصاله بشيء لا يدركه الطفل، حيث يحس بالوحدة والغربة، قبل أن يعود إليه والده، من الصلاة.
وكان الكبار فينا يأخذوننا إلى عمودين حجريين، أقيما داخل المسجد في غرفة صغيرة على يمين المحراب، ليقولوا لنا: انظروا هذه (مصارين) الكذاب! فتأخذنا الرهبة من الوقوع في زلة الكذب. فالعمودان مصنوعان على شكل جديلتين من الحجر، بمهارة النقش والحفر، فيفهم الصغير أن أمعاءه تتلوى وتعصر عصراً شديداً، إذا وقع في هذه الآفة، بعد اليوم. إنه توجيه أخلاقي ذكي.
وعلى مبعده قصيرة من هذين العمودين، يأخذك الكبار في المسجد الأقصى، إلى عمود ثالث ليقال لك: انظر إلى صورة صلاح الدين الأيوبي، الذي حرر هذا المسجد من الاحتلال الصليبي، أين الصورة؟ ليس على العمود صورة، حدَقْ في القشر الرخامي، ثم حدَقْ أكثر لتجتمع لديك صورة واضحة لصلاح الدين، بلحية كثة وشاربين، في وجه تطفح منه التقوى والحزم والعزم، إن ذلك مرسوم بيد صناع، على وجه الرخام ويخفى ويدق عليهن حتى لكأنك تراه ن فوق سطح مائي شفيف صفيق! إنها المهارة الهندسية الفائقة.
أمر ثالث أذكره، هناك، ولكن على الصخرة التي أقيم عليها مسجد قبة الصخرة. إن الناس كانوا يحدثوننا أن الصخرة التي عَرَجَ عليها رسولنا الكريم، عليه الصلاة والسلام، غير مستقرة على الأرض، ملتصقة بها مثل سائر الصخور، ولكنها منذ زمن المعراج إلى اليوم طائرة في الهواء، تعلقاً به،( ، وتعشقاً، بالله! كيف يمكن لصخرة كبيرة أن تنفصل عن الأرض التي هي جزء منها، وترتفع عنها وتهم بالطيران إلى الأعلى؟ وعندما شاهدناها، ومن جهاتها الأربع، ومن غرفة في أسلفها، قيل أنها مبتدأ العروج، وجدنا أنها مطمئنة إلى أرضها راسية عليها مثل سائر الصخور.
إن الذهنية الشعبية تميل إلى التجسيم وجعل المتخيل في صورة محسوسة.
ولا أنسى المزولة المثبتة على درجات الصعود إلى مسجد قبة الصخرة من كأس المتوضأ بين يدي المسجد الأقصى، وقد ثبت لمعرفة أوقات الصلاة في النهار، من انعكاس نور الشمس وما يكون في ظل القضيب معدني تحيط به أرقام الساعة.
لقاء رابع تم على بلاط المسجد الأقصى، بيني وبين الوالد رحمه الله، دون اتفاق، وذلك في أثر رحلة مدرسية قامت بها مدرسة بيت محسير الابتدائية إلى البحر الميت، وهو، على الأغلب في عام 1944م. وكنت واحداً من طلبة هذه المدرسة، نذهب للدراسة فيها أنا وزملائي من قريتنا ساريس مشياً.
والطريف في أمر هذه الرحلة أننا حُملنا في حافلة لشحن الأثاث والحصباء! وعند دخولها مدينة القدس، من الجهة الغربية، اصطدمت بسيارة شحن لجيش الانتداب البريطاني في فلسطين. ولولا الوقوف المفاجئ للشاحنتين لتضرر بعض طلبة الرحلة! فقضينا سائر يومنا في مدرسة لفتا الإعدادية، وأتممنا الرحلة في جنبات المسجد الأقصى، صلاة واطلاعاً وفرجة. ولا أدري كيف برز أمامي والدي دون بوابة مسجد قبة الصخرة الغربي، هل سمع بأنباء الرحلة المدرسية، أم أنه جاء يصلي في المسجد؟؟؟
ومما يتمم صورة المسجد الأقصى صورة شخصية لمفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني، رأيتها معلقة على نافذة بيتنا الشمالية، حينما فتحت عيني على المشاهدة، وكنت أسمع الناس ينشدون: سيف الدين الحاج أمين!
وللمفتي عند الناس في قرى القدس وفي مدينة القدس وفي فلسطين عامة احترام وتقدير.
السباحة على بلاط المسجد الأقصى
لم أعرف في حياتي، حتى الآن، لحظات من السعادة والحبور، سعدت بها نفسي وغمرت بها روحي، أكثر من تلك اللحظات التي كنت أعيشها، إذا تمشيت على بلاط ساحات المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة، خارج المسجدين وداخل المسجدين.


