أنت هنا

قراءة كتاب في رحاب المسجد الأقصى

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
في رحاب المسجد الأقصى

في رحاب المسجد الأقصى

كتاب "في رحاب المسجد الأقصى" لمؤلفه د.

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
دار النشر: دار المأمون
الصفحة رقم: 3

في التوجه للصلاة في الحرم القدسي

فإذا اقترب موعد الصلاة، وأخذ الشيخ عبد الله يوسف، رحمه الله تعالى، يتلو من كتاب الله العزيز آيات بينات، واتجهت نحو باب الحرم الشريف أحسست أن للرخام، من تحت قدميك، زهوا يكاد يكون مسموعاً، وفرحاً يكاد يكون منظورا! وأن لحفيف أشجار الحرم غناء سماوياً يتجاوب مع ما تسمع من آي القرآن الكريم جذلاً ورواء، وتسمع للطيور من على أفنان الأشجار زقزقة وحبورا وانتعاشاً، فيجتمع لك من كل هذه اللوحات المرئية والصور والأحداث المسموعة، والروائح ينفح شذاها الأروقة، يجتمع لك من كل هذا وذاك تسبيح لله تعالى واستغفار وعبادات،وإذا أنت وكأنك في عالم روحاني، يرتقي عن عوالم الناس، وإذا أنت على الأرض وكأنك تسبح في بحر متلاطم، يسير بك في موكب روحاني، يتجه نحو بيت من أكبر بيوت الله تعالى على الأرض، حتى إذا ما أظلتك أروقة الحرم من الداخل واستمعت للشيخ القزاز، رحمه الله تعالى، يرفع الأذان لله تعالى، وارتقى الشيخ جميل الخطيب، رحمه الله تعالى المنبر بطيلسانه المهيب وبيده الصولجان الرهيب، واستمعت لقول الله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)، فإذا أنت ترتقي، بروحك، في أجواء روحانية عليا، تعاهد الله تعالى فيها، وأن تعمل على الحفاظ على هذا المسجد، بكل ما لديك ولدى الأمة من قوة، المسجد الذي هو قبلة المسلمين الأولى وثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين.

في شرف المجاورة

ولا يحس بما أحسستُ من السعادة في ولوج المسجد الأقصى للصلاة الأمن عاشها وسعد بها، وقد قيل: ”لا يعرف الشوق إلا من يكابده“. وإني لأشكر الله تعالى شكراً كثيراً أن أتاح لي، فوق ذلك، أن أجاور المسجد الأقصى وأعيش في أكنافه سنوات الدراسة في المرحلة الثانوية، في المدرسة الرشيدية، خارج سور القدس القديم.
إن القدس الشريف كان محط رحال الحجاج والمعتمرين، تكملة لحجهم وعمرتهم، وكذلك علماء المسلمين ورحالتهم، فقد جاور فيها الليث بن سعد، وأبو الدرداء، وأبو حامد الغزالي رحمهم الله تعالى. وقد سكن فيها الصحابي عبادة بن الصامت وأبو ريحانة. وممن زارها من الصحابة أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب وبلال بن رباح وأبو ذر وأبو هريرة وسلمان الفارسي وكعب الأحبار.
وقد أتيح لي أن أنال شرف مجاورة المسجد الأقصى، كما قلت، فيما بين عامي 1952- 1956م، وأسكن في حي باب السلسلة، أحد الأبواب الداخلية للحرم من الجهة الغربية، في بيت من بيوت آل سرندح الكرام، من المقادسة الطيبين. وسكنت أيضاً في باب حُطة، أحد أبواب الحرم الداخلية، التي تفضي لها من الجهة الشمالية من باب الساهرة. وذلك بحكم تلقي العلم في المدرسة المذكورة الثانوية مقابل باب الساهرة من أبواب سور القدس، من جهة الشمال.

الشيخ عبد الله يوسف

ولله ما أمتع لحظة انتظار مدفع الإفطار في القدس الشريف، والشيخ عبد الله يوسف، رحمه الله، يقرأ القرآن في رمضان، وأمام الواحد منا صحن من اللبن الرائب، وعليه شيءٍ من فلفل الشطة! ثم الصلاة في المغرب، في المسجد الذي كرمه الله تعالى، وربطه بالمسجد الحرام! إنها لحظات لا تكاد تنسى.
فأكثر ما يعلق منها بنفسي، تلاوة هذا الشيخ لآي القرآن الكريم. فكأن تلاوته كانت تؤثر في الحجر والشجر، في الجماد وفي البشر، إنها تبعث الخشوع لله تعالى في المستمعين. وكثيراً ما تذكرني تلاوته بتلاوة الشيخ محمد رفعت، رحمه الله، الذي قال عنه الدكتور مصطفى محمود: "أنه كأنه يقرأ القرآن الكريم بين يدي الله تعالى جهرة!". وأذكر أنه قدم إلى عمان بعد أحداث نكسة السابع والستين، وحينما أخذ بتلو القرآن في المسجد الحسيني الكبير انخرط جميع المستمعين في المسجد في البكاء!.
وفي حي باب السلسلة الذي جاورت فيه المسجد الأقصى كانت المكتبة الخالدية، بما فيها من مخطوطات قديمة، وفيها ماء سبيل، لله تعالى. وفيها مركز للمؤتمر الإسلامي العالمي، الذي كان يوزع التمر على فقراء الناس أوائل الخمسينيات.

علال الفاسي

وفي باب حطة سكنت أيضاً مجاوراً للحرم من الناحية الشمالية، وفي الغرف الشمالية للحرم كانت تنعقد دروس في الدعوة الإسلامية، أذكر من علمائها الداعية المغربي المشهور علال الفاسي، رحمه الله تعالى، ومن عمان يأتي للدعوة إلى الله تعالى محمد نمر وهبة ومنصور الحياري رحمهم الله.
ولله در الشاعر القائل:
أُهيم بساح القدس ما هبت الصبا
فتلك ربوع الأنس في زمن الصبا
وما زلت في شوقي إليها مواصلا
سلامي على تلك المعاهد والربى!
 

الصفحات