أنت هنا

قراءة كتاب أستيك الحاج فياض

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
أستيك الحاج فياض

أستيك الحاج فياض

هذه الرواية، تروي مسيرة فردة الحذاء تلك طوال فترة ثمانين عاماً، على أمل أن أتمكن من رواية مسيرة فردة الحذاء الثانية في رواية لاحقة.

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 2

فقال لي «عرب جرب» «عرب سيس» «عرب كلب» «عرب حمار» ولكني قلت له إن هذه الكلمات هي كلمات عربية فصرخ ساخطاً بأنّه لا يشرفه أن يتكلم العربية وقال باللغة التركية والمجرية والعربية بما معناه تستأهلون ما تفعله بكم إسرائيل .
في هذه الأثناء خرجت الموظفة من الغرفة الداخلية وأعادت إلي جواز السفر معتذرة عن عدم إمكانية إعطاء فيزا دخول إلى تركيا في هذه الظروف وسمعت ما كان يقوله الكهل من كلمات بصوت مرتفع وانفعال واضح فاعتذرت وطلبت مني أن لا أغضب منه قائلة: جدي رجل كهل وهو ليس موظفاً رسمياً في السفارة. وقالت له أمامي ضاحكة: إنك تعيش في المجر منذ خمسين عاماً وما زلت تتكلم بلغة غير سليمة كما أنك لا تجيد اللغة التركية كذلك بينما هذا الشخص الذي أمامك يعيش في هنغاريا منذ أقل من عامين ويجيد اللغة المجرية أفضل منك بكثير. طبعاً وهي تضحك حتى لا يغضب منها ومع ذلك زاد غضبه وانفعاله وشتمه للعرب.
فانصرفت بعد أن طلبت الموظفة مني أن أراعي كبر سنِّه. لم يمنعني عدم حصولي على فيزا تركية عن الإصرار على السفر حيث يمكنني أن أحصل على الفيزا اليوغسلافية على الحدود وكذلك الفيزا البلغارية.
فركبت القطار في اليوم التالي مع شاب لبناني آخر بقصد السفر إلى لبنان. وعندما بلغنا الحدود التركية طلب إلينا الشرطي التركي في القطار النزول على الحدود وإجراء معاملة الفيزا في مخفر المحطة وهذا ما فعلناه فقد بقي زميلي مع الشنط قرب القطار وتوجهت أنا إلى مخفر المحطة، وهناك عرضت الجوازين ففتحهما الشرطي ولما تبين له أنّني لبناني قذف بالجوازات أرضاً فالتقطهما ووضعت داخل كل جواز عشرة دولارات ففتح الشرطي الجوازين ولما وجد عشرة دولارات في كل جواز قذف بهما مجدداً على الأرض فالتقطهما ووضعت في كل جواز عشرين دولاراً وقدمت الجوازين له ففتحهما ونظر إلى وجهي ورمى بهما مجدداً إلى الأرض فالتقطهما ووضعت في كل جواز ثلاثين دولاراً ففتحهما ثم ألقى بهما من جديد إلى الأرض فالتقطهما وكان القطار قد أوشك على الانطلاق فحاولت الخروج من غرفة الشرطي للحاق بالقطار ولكن الشرطي طلب مني باللغة التركية ما فهمته بأن أعطيه الجوازين فأعطيتهما له فتناول الدولارات الستين وختم الفيزا وانطلقت راكضاً خلف القطار تتبعني قهقهة الشرطي التركي وقد تكون لعناته أيضاً.
وصلنا إلى محطة القطارات في اسطنبول أنا وزميلي اللبناني وكان مع كل واحد منا حقيبتان أنزلناهما أرضاً وأتى حمّال يعرض خدماته وعندما علم بأننا لبنانيان حدثنا باللغة العربية فحمل حقيبتين وحمل كل منا حقيبة وسرنا خلفه إلى محطة أوتوبيسات حلب التي صادف وجودها عند مدخل المحطة التي لا تبعد أكثر من 50 متراً عن موقف القطار، وعندما أنزل الحقيبتين طلب منا عشرة دولارات فاعتبرت المبلغ كبيراً وعرضت عليه خمسة دولارات فرفض أخذها فتدخل الموظف في محطة أتوبيسات حلب فقلت عندها للحمّال لو أنَّ أتاتورك نفسه حمل الشنطتين لهذه المسافة القصيرة لما نقدته أكثر من خمسة دولارات، عندها وضع موظف المحطة يده على فمي وأعطى الحمّال عشرة دولارات وتحدث إليه بالتركية وصرفه ونبهني غاضباً بأنّه لو سمعني احد الأتراك أقول ذلك وشكاني إلى الشرطة سأدخل السجن لمدة ثلاث سنوات على الأقل لأنّني أهنت رمز تركيا الأعظم فحمدت ربي في قرارة نفسي على تخلصي من هذه الورطة.
استقلّيْنا الأتوبيس وانطلقنا إلى حلب التي وصلناها في اليوم التالي ليلاً، فنزلنا في أحد الفنادق وفي صباح اليوم التالي أخذنا سيارة أجرة إلى دمشق. وأثناء الطريق من حلب إلى دمشق لفتت نظري يافطة كتب عليها «معرّة النعمان» فتذكرت أنّها مسقط رأس أبي العلاء المعري فأردت زيارة ضريحه وعرضت الفكرة على زميلي اللبناني فلم يوافقني الرأي عندها طلبت من سائق السيارة التوقف لإنزالي وما إن وقفت السيارة وأنزلت حقائبي حتى كنت قد تجاوزت «الآرمة» بما يزيد على نصف كلم. حملت حقائبي وعدت سيراً على الأقدام كل هذه المسافة وسرت أكثر من نصف ساعة أنوء بحملي تحت أشعة الشمس الحارقة والعرق يتصبب من كل مسام جسدي ولما وصلت إلى مفرق «معرّة النعمان» وجدت شجرة معمّرة ومتهالكة قد تعرت من أغلب فروعها وفقدت ظلها وما تبقى منه ينعم به حمار مربوط إلى الشجرة وقربه معلف تبن ورجل نائم.
استيقظ الرجل من إغفاءته وانتصب واقفاً مرحباً بي عارضاً خدماته، فرويت له أنّني شاهدت «الآرمة» التي تعرّف بمعرّة النعمان فظننت أنّه هنا يوجد مرقد أبي العلاء المعري فضحك الرجل وقال لي إن المقام موجود في البلدة على بعد 7 كلم من هنا وإذا شئت سيقلني على حماره إلى هناك. فبتُّ ليلتي عنده في البيت لأنه لا يوجد فندق في البلدة فأزور المقام وغداً صباحاً يعيدني على حماره إلى هنا من جديد وأتابع رحلتي إلى دمشق.
فشكرته على عرضه هذا وقلت له إنّي أفضّل أنْ أتابع رحلتي الآن إلى دمشق فضحك صاحب الحمار وأخبرني بأنّ عليّ أن انتظر حتى العصر لتمر سيارة أو أوتوبيس لأن وسائل النقل قليلة وهي متوافرة على الأغلب صباحاً وعصراً، فانتظرت ما يقارب الثلاث ساعات أتقاسم مع الحمار وصاحبه فيء ما تبقى من أغصان تلك الشجرة المعمّرة والتي فقدت أغلب أغصانها.
طبعاً حاولت أنْ أعوّض عن خسارتي بالاستفسار من صاحب الحمار عما عنده من معلومات عن أبي العلاء فأجابني بأنّه كان ولياً من عباد الله الصالحين وله كرامته عند الله لمن يقصده ويتضرع إليه تلبى حاجته، ظناً منه أنّني جئت أطلب شفاعته. لم أحنق من أبي العلاء بل حنقت على هذه الأمّة التي تحوّل عندها أبو العلاء بعد ألف عام على وفاته. تحول إلى وليّ صالح تقبل شفاعته فاعتذرت من أبي العلاء خجلاً.

الصفحات