أنت هنا

قراءة كتاب أستيك الحاج فياض

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
أستيك الحاج فياض

أستيك الحاج فياض

هذه الرواية، تروي مسيرة فردة الحذاء تلك طوال فترة ثمانين عاماً، على أمل أن أتمكن من رواية مسيرة فردة الحذاء الثانية في رواية لاحقة.

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 6

ومع ذلك تقدمت نحوهما وحييتهما ووضعت الصينية على الطاولة. فوقف جدها مرحّباً بي وأخذني بالأحضان مبتهجاً وكأنه يعرفني منذ مئة عام.
فقالت هي إنّها المرة العاشرة تقريباً التي يأتي بها إلى هنا بقصد اللقاء بي لكنّه لم يجدني فاعتذرت منهما على ذلك وشرحت لهما بأنّني كنت مشغولاً بالامتحانات ودارت بيننا بعض الأحاديث ولما انتهينا من تناول الغداء. دعوتهما إلى تناول فنجان قهوة في المقهى المجاور فقبلا الدعوة لأنّه كان معهما بعض الوقت للعودة إلى العمل.
وفي أحاديثنا في المقهى علمت بأن اسم الجد كاليلو وأنّ اسمها مايا وعرّفتهما عن نفسي وقلت لهما اسمي سليمان فأجاب جدها بلغة مجرية مكسّرة نعم السلطان سليمان. الأتراك يسمون كثيراً اسم سليمان. وعندما قلت لها إنّ اسم مايا يلفظ ماي أجاب جدها نعم الأتراك يستعملون كثيراً اسم مايا. وعندما سألته هل أنت تركي الأصل وهل تتقن اللغة التركية أجابني نعم أنا تركي الأصل ولكني لا أتقن اللغة التركية جيداً ولذلك حكاية طويلة.
فأخبرتني مايا بأن جدها تقاعد منذ مدة طويلة وهما يعيشان معاً وحتى لا يبقى وحيداً في البيت تدبرت له الأمر بأنْ يداوم معها في مقر عملها في السفارة كعمل إضافي.
وعندما سألاني عن بلدي بدأت أحدثهما عن لبنان وسألت الجد كاليلو إنْ كان يعرف أين يقع لبنان. فارتبك وقال لي أعرف ولا أعرف. فقلت له اسم عاصمته بيروت فقال بلى أعرف أين تقع بيروت قرب صيدا وصور وعكا. فقلت له و دمشق فأجابني بأنّ دمشق بعيدة جداً عن بيروت. دمشق عاصمة سوريا. بلاد الشام وقال بلاد الشام. فتعجبت للأمر وقلت له إنك قلت سوريا بأنّها بلاد الشام فأجابني هكذا يدعوها الأتراك.
وخضنا في أحاديث مختلفة عن المجر وعن بودابست وعن العادات والتقاليد والطقس والجامعة وغيرها من الأحاديث التي كانت تتم بأغلبها بيني وبين مايا يتدخل أثناءها الجد لماما وبصورة مقتضبة ومشيداً بين الحين والآخر بحسن إجادتي للغة المجرية وسلامة لفظي منبهراً كيف أنّني أتكلم اللغة بهذه الطلاقة ولم يمضِ عليّ سوى عامين في بودابست.
انتهى الوقت سريعاً وأسرعت مايا وجدها إلى مقر عملها الذي لا يبعد سوى عشرات الأمتار عن المقهى. وتواعدنا على أنْ نلتقي ثانية. فقلت لهما بالعربية «إن شاءالله» فرددها خلفي جدها «إن شاءالله» بكل طلاقة.
مضت عدة أسابيع انشغلت أثناءها بالفصل الدراسي الجديد من جهة، وقساوة فصل الشتاء من جهة ثانية دفعني للتخفيف من وجودي خارج الكلية. ومع ذلك وبالرغم من قلة عدد المرات التي خرجت بها كنت ألتقي بجد مايا أو ألمحه من بعيد كنت أحييه أحياناً وأحياناً أتجاهله وقد نتبادل بعض الأحاديث مع العتب من جانبه لعدم مشاهدتي فكنت اعتذر منه بشكل أو بآخر إلى أنْ دعوته مع مايا لتناول الغداء غداً ظهراً ولكن في مطعم آخر غير مطعم الطلبة. في مطعم صغير هادئ ومشرف على نهر الدانوب وفي نفس الساحة التي فيها الكلية والسفارة. فشكرني مبتهجاً ووعدني بأنّه سيبلغ ذلك إلى مايا وهو متأكد بأنّها ستلبي الدعوة وافترقنا.
وعند الساعة الواحدة من اليوم الثاني وكنت أتمشى في الساحة وإذْ بمايا تأتي من ناحية السفارة وعندما وصلت حيث أقف وجدتها وحدها وبكل أناقتها وبعد تبادل التحية اعتذرت عن جدها بأنّه مشغول ولا يستطيع تلبية الدعوة الآن لكنّه وعد بتلبيتها مرة ثانية فضحكت وقبلت الاعتذار ورافقتها إلى المطعم وجلسنا إلى إحدى الطاولات وأتى النادل وطلبنا الأطعمة التي يفضلها كل منا وعرضت عليها تناول كاسٍ من النبيذ فلم تمانع لأنها لن تعود مباشرة إلى العمل لأنها استأذنت عن غيابها. أما جدها فقد ترك العمل باكراً لقضاء أمر يهمه وسيسبقها إلى المنزل الذي عليها أنْ لا تتأخر في العودة إليه لأن وسائل النقل تصبح صعبة مساءً فهي تسكن في «تورك بالين» التي تبعد 20 كيلو متراً عن بودابست.
استوعبت جميع الرسائل فهي كانت واضحة وجلية وعليّ أنْ أتصرّف بتؤدة وروية وأن آخذ راحتي. هكذا قلت بيني وبين نفسي لحسن حظي أنّ زميلي في الغرفة غائب هذا النهار وابتسمت قائلاً:
ـ إذاً اختاري نبيذك المفضّل.
ـ «اغري بيكافيرا».
ـ وأنا كذلك أفضّل هذا النبيذ وطلبت زجاجة كاملة. وكان الغداء شهياً فأكلنا وشربنا الأنخاب عدة مرات وكذلك نخب جدها كاليلو وتحدثنا بالكثير من العموميات حول الطقس والدراسة والعمل وتحاشينا الكلام في السياسة وفي الخصوصيات إلى أنْ فرغت زجاجة النبيذ واحمرت وجنتانا.
فقلت لها:
ـ ما رأيك في فنجان قهوة تركية؟
ـ لا مانع.
ـ إنّي أعدّ القهوة التركية جيداً في غرفتي، فضحكت وقالت لا مانع.

الصفحات