هذه الرواية، تروي مسيرة فردة الحذاء تلك طوال فترة ثمانين عاماً، على أمل أن أتمكن من رواية مسيرة فردة الحذاء الثانية في رواية لاحقة.
أنت هنا
قراءة كتاب أستيك الحاج فياض
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
[1]
وأخيراً وصلت إلى حولا وأنزلتني السيارة بالقرب من بيتنا الترابي القديم في وسط الحارة الشمالية من البلدة. فوصل خبر قدومي إلى والدتي التي كانت لا تزال تسكن في البيت الترابي بالرغم من أنّه أصبح هناك بيت جديد للعائلة. لكنّها كانت تصرّ على السكن في البيت الترابي للحفاظ عليه لأنه «دار العائلة» كما تسميه. المهم أنَّ والدتي حضرت لاستقبالي بدموعها مع أنّها لم تبكِ عندما ودعتني للسفر أول مرة معتبرة حينها أنّني أصبحت رجلاً وعلى الرجل أنْ يسافر ليشق طريق مستقبله. لكنّها استقبلتني هذه المرة بدموع الفرح والخوف والعتب عليّ لأنّني قدمت إليها و إلى الخطر، في هذه الظروف الصعبة. لأن جميع الأهالي يعيشون هاجس الخوف من أنْ تعمد إسرائيل إلى احتلال البلدة وارتكاب مجزرة كما فعلت في حرب الــ 48 حيث احتلت البلدة وقتلت أكثر من 80 شخصاً من سكانها ودمرتها وأحرقت بيوتها وتهجر الأهالي عن البلدة أكثر من ستة أشهر ولم يعودوا إليها إلا في ربيع العام التالي بعد توقيع اتفاقية الهدنة «تنذكر وما تنعاد» هكذا يقول الأهالي عندما يأتون على سيرة المجزرة في أحاديثهم.
حاولت أنْ اطمئن والدتي بأن إسرائيل لن تحتل البلدة. لان لبنان لم يدخل الحرب معها هذه المرة. لقد «نأى بنفسه» عن الحرب مع إسرائيل . لكنّها أجابتني بأن «المعقوص من الحية يخاف من جرّة الحبل». ومع ذلك رحّبت بي والدتي وقبلتني وحملت إحدى حقائبي وحملت أختي الصغرى الحقيبة الثانية وتوجهنا إلى بيت العائلة الجديد في شمالي البلدة بالقرب من بيادر الضيعة حيث الفلاحون يدرسون غلالهم من قمح وشعير وفول وحمصّ وغيره من غلال هذه البيادر التي أعرف جميع أصحابها ويعرفونني. فأنا منذ ثلاث سنوات أو أربع كنت بينهم أدرس الغلال على بيدرنا. أقف على «المورج» أو النورج خلف فدان البقر لتكسير نبات القمح اليابس في المرحلة الأولى ومن ثمّ نجعل من القش المكسّر «شول» أي نجعل منه حزاماً دائريّاً تتوسطه فسحة دائرية يفرش فيها القش المكسر لإعادة تكسيره مرة ثانية بشكل أنعم ليفصل الحب عن التبن بشكل كامل. ليعمل على تجميع خليط التبن والحب في الوسط بشكل «عرمة» «كومة» تأخذ شكل قبة كانت تكبر القبة كل يوم على حساب «الشول» الدائري الذي يتناقص كل يوم بفرش جزء منه على الأرض بشكل «طرحة» يمر فوقها الفدان يجر النورج الخشبي الذي يقف عليه رجل ليسوق الفدان بواسطة قضيب طويل يحمله بيد وباليد الثانية يحمل حبلاً يوجه بواسطته الفدان. والحبل يُربط إلى قرني الثور الذي يكون إلى الجهة الداخلية من «الطرحة» يعني لجهة «العرمة» ويجري تبديل الحبل من قرني ثور إلى قرني الآخر لإراحة الثور الذي يشد من الداخل لأن عليه يقع العبء الأكبر من الشد هذا من جهة ومن جهة ثانية عندما تتغير وضعية النورج على «الطرحة» بشكل معاكس يساعد ذلك أكثر في التعاطي مع القش لتكسيره.
هذه التكنولوجيا في التعاطي مع دراسة القمح على البيدر وغيرها من الخبرات أتت نتيجة لخبرات وملاحظات الإنسان عبر آلاف السنين واستمرت حتى أواسط الستينات من القرن الماضي. عندما اقتحمت علينا الأساليب الزراعية الحديثة فقلبت حياتنا رأساً على عقب سلباً وإيجاباً لأنها خلال سنوات معدودة أحدثت تغيرات سريعة ومتلاحقة أثرت كثيراً على النمط المعيشي والاجتماعي والنفسي للناس.
كنت وأنا مارٌّ في وسط البيادر ألقي التحية على الفلاحين ومنهم من يترك نورجه ويأتي للسلام علي ومنهم من يكتفي برد التحية وذلك حسب صلة المودة والقرابة بيننا. كنت أثناءها شارداً بتفكيري إلى المجر إلى بودابست وحياتها ولم ينتشلني من شرودي إلا صوت أحدهم عندما حياني باللغة المجرية قائلاً: «يونا بوط كيفانوك». فرددتُ عليه التحية بشكل تلقائي «يونا بوط كيفانوك أورام» لأستفيق من شرودي والتفت إلى مصدر الصوت. فعاجلني بعدة كلمات مجرية أخرى توقفت عندها مرتبكاً مذهولاً لا أعرف بماذا أجيبه.
ترك نورجه وتقدم نحوي فعرفته، إنّه جارنا السبعيني أبو حسين علي قطيش فهو زميلي على البيادر لأكثر من عشرة أعوام قضيتها في دراسة مواسمنا. تقدم نحوي وقبّلني قائلاً: اذهب الآن إلى البيت لترتاح من عناء السفر وغداً أزورك ونتحدث عن المجر وبودابست. وفعلاً وفي صباح اليوم التالي قدم الحاج علي قطيش وبدأ يصف لي بودابست وجمال بودابست ونهر الدانوب والقصر الملكي. وأخبرني أنّه في الحرب العالمية الأولى وصلت القوات التركية إلى مشارف بودابست في عملية إسناد للجيش الألماني والجيش النمساوي والهنغاري للدفاع عن فيينا أثناء محاصرتها من قبل القوات الفرنسية والبريطانية.
لقد أمضت فرقتهم التركية طيلة الربيع والصيف هناك واضطرت إلى الانسحاب قبل حلول فصل الشتاء ببرده القارس وثلوجه. وقد تردد إلى بودابست كثيراً وتعلم الكثير من الكلمات المجرية التي نسيها مع مرور الزمن لأن ذلك حدث منذ خمسين عاماً. وأخبرني أنه كان معه في الفرقة نفسها عدة شباب من حولا مات بعضهم بسبب المرض والجوع ومنهم عمّي خليل أيوب وهو الابن الأكبر لجدتي من زوجها السابق فلقد أصيب هناك وعندما انسحبت فرقتهم من المجر لم يعثر له على أثر. لذلك فإن أغلب الظن بأنّه مات هناك وليس على الطريق. فاغلب الجنود كانوا يموتون على الطرقات جوعاً أو مرضاً أو تعباً.
وبدأ الحاج علي قطيش يتذكر عذاباته وغيره من الجنود أثناء الحرب العالمية الأولى وخاصة الجنود العرب وعلى الأخص الجنود القادمين من «بلاد بشارة» ويخبرني بأنّهم عندما أخذوهم للتجنيد طاردوهم في البراري حيث كان يهرب الشباب ويختبئون في الوديان والكهوف نهاراً ويتسللون إلى بيوتهم ليلاً ليتزودوا ببعض الزاد. وقد وشى بهم احدهم حيث كانوا يختبئون في «مغارة الهنود» في وادي السلوقي فذهبت فرقة من الجيش التركي وطوقت المغارة مع الفجر وألقت القبض عليهم جميعاً وكانوا بحدود 15 شاباً وأخبرني بأن احد الجنود الأتراك تعب أثناء سيره فأجبر أحد الشباب ويدعى خليل الحاج يعقوب أنْ يحمله على ظهره فحمله إلى مشارف البلدة لكنّه تهالك ووقع أرضاً وما لبث بعدها أنّ فارق الحياة هكذا تعامل الأتراك مع أهالي بلاد بشارة.
وأضاف قائلاً لي: إن أردت المزيد من المعلومات عن الأتراك فاسأل جدك الحاج جميل شريم فيروي لك ما حدث معه لأن لكل منا روايته مع الأتراك.


