ذاكرة الماء محنة الجنون العاري؛ لا شيء في هذا الأفق، لا شيء أبدا، سوى الكتابة وتوسّد رماد هذه الأرض التي صارت تتضاءل و تزداد بعدا كل يوم. وهل للماء ذاكـــرة؟
هذا النصّ يجهد نفسه للإجابة عن بعض مستحيلاته بدون أن تخسر الكتابة شرطها.
قراءة كتاب ذاكرة الماء
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

ذاكرة الماء
عندما خرجت لم أعد إلاّ مرّة واحدة. وقفت عند بوابات معتقل المدينة الكبير. دهشت من ضخامتها، لأوّل مرّة أكتشفها. كنت دائماً أقتحمها منحنية الرأس. قلتُ في خاطري ليكن. هو اختار وها أني أختار نهائياً، أن لا أعبر عتبة هذا المكان الذي يورثني ألماً قلبياً ضافياً.
منذ ذلك اليوم لم أره. كان ماوياً متطرفاً يحلم بتدمير الدنيا على رأس الحكام ، مع الزمن، هي التي تهدمت على رأسه.
سمعت بعدها أنه خرج بعد الإعفاء الذي شمله وشمل الكثير من زملائه. تزوج بثريا التي قاطعتني مع أني لم أكن أريد ذلك. فقد أقنعت نفسي، بحقها في فعل ما تريد. لكن علاقتهما لم تدم طويلاً، ابتلعته انشغالاته الكثيرة، ليتحول إلى تاجر عاطل ثم إلى صحفي، ثم إلى لا شيء. بينما حملت هي حقيبتها وسافرت باتجاه اسبانيا مع صديق أوروبي.
أحزن الآن لمريم. فهي بعيدة، وأنا تأكلني الأشياء الغامضة لهذا الفجر البارد.
تعود بوجهها الطفولي و تعنتها.
حاولت أن أقنعها أن تسقط الطفل. قلت لها، أن عنادها مجنون.
ـ قلبك يا مريم.
فلتت منّي بدون تقصّد
ـ ومَالُ. أنا مهددة بالموت حملت أم لم أحمل.
صممنا بعدها نهائياً أن نتزوج.
كانت الاختراقات قد بدأت منذ تلك اللحظة ولم أعد أدري إذا كنّا نحن الذين ركبنا رأسينا؟ أم رأسَانا هما اللذان ركبانا؟ لم يكن الأمر مهمّاً جداً.
قلنا. سنتزوج، سنتزوج، لماذا لا نفعلها الآن ؟ على الأقلّ لا يكبر الولد القادم مُعَقّداً، في مجتمع مريض حتى العظم بداء فقدان المناعة.
قلنا للموظف في البلدية.
ـ نريد أن نتزوج زواجاً مدنياً، قبل مجيء الطفل. أنت تعرف هذا المجتمع وطبيعته.
تقلّص وجهه، وتفحّم فجأة، بالرغم من أني رأيت إشراقة ملأته عندما دخلت مريم هي الأولى. يبدو أن حضوري النحس كالعادة هو الذي خرّب كلّ شيء.
ثم قال بلهجة الآمر والخائف في الوقت نفسه.
ـ حَبّيتُوا تباصِوْني؟؟ تورّطوني في عملة قبيحة؟؟ حرام يا لاَلّهْ. تَحّمْلي وتجيبي باش نخبّي عليك؟؟ والله ما تْكونْ.
اصفرت مريم ولم تعد قادرة على كَتْم غيظها.
ـ واشْ درتْ أنا حتى تخبّي عليّ يا ولد الناس. أنت موظف بلدية وإلا إمام زاوية؟
ـ بزوج. ألم يقُلْ. من رأى منكم منكراً، فليغيّره.
ـ من قال؟
ارتبك لحظة.
ـ ربّي؟
ـ هذا ربّك أنْتَ مش ربّي أنا. دَزْ معهم أنت وأوراقك وربّك.
ثم صفقت الباب الحديدي الخشن وراءها.
وظلت الجملة تتردد بين شفتيها.