كتاب " اليمن خصوصية الحكم والوحدة " ، تأليف د. عبد الوهاب محمد الروحاني ، والذي صدر عن دار زهران عام 2013 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب اليمن خصوصية الحكم والوحدة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

اليمن خصوصية الحكم والوحدة
المبحث الأول
التركيبة المذهبية:
عاش في اليمن مذهبان إسلاميان كبيران مثلا مركز الريادة والقوة في المجتمع. هذان المذهبان هما: المذهب الزيدي (الهادوي)، والمذهب السني (الشافعي). إلى جانب الفرقة (الإسماعيلية أو المكرمية)، وهي طائفة لا يزال لها تواجد في مناطق حراز، وهمدان بمحافظة صنعاء، وعراس جنوب [شرق] مدينة يريم (12) ، وأيضاً في نجران ضمن قبائل يام في (السعودية)، وتأسست الدولة الصليحية في ظلهم على يد علي بن محمد الصليحي عام 439 هـ.
وقد حقق المذهبان الكبيران (الزيدي والشافعي) عبر حقب تاريخية مختلفة منذ مطلع القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي تعايشاً وتجانساً، وتسامحاً لا نظير له، فالمدارس الإسلامية الشهيرة في اليمن كانت تتوزع إلى أجنحة وزوايا أو بالأصح حلقات علمية، يُدرس فيها الشيخ تلامذته من هذا المذهب أو ذاك شافعياً أو زيدياً، حنفياً أو مالكياً(13) ، وعندما يؤذن المؤذن للصلاة كان يتقدم أحد علماء أو مشايخ هذه المذاهب ليؤم المصلين دونما حساسية أو شعور بغيظ أو تمييز بين هذا وذاك، فساد التسامح بين الناس، على عكس ما يحدث عند الشيعة الإمامية (الإثني عشرية) والسنة في بعض الدول العربية والإسلامية، كالعراق مثلاً، حيث التنافر، بل التناحر (حالياً) على أشده، وحيث للسنة مساجدهم وللشيعة مساجدهم وقلما يلتقون.
وتكرس مبدأ التسامح هذا، في زمن أعمال منهج الاجتهاد الذي اختطه نخبة من علماء الزيدية الكبار من أمثال (ابن الوزير، والشوكاني، والمقبلي، وابن الأمير الصنعاني) الذين تعرضوا لمضايقات المتعصبين، يقول الدكتور حسين عبد الله العمري إنه «من بعد القرن الثامن للهجرة/ الرابع عشر للميلاد ، شهد المذهبان الشافعي والزيدي تقارباً، وعلاقات حميمة قواَّها كبار مجتهدي المذهبين وتلاميذهم، حتى بات علماء الزيدية المجتهدون، من العلامة ابن الوزير في القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي إلى شيخ الإسلام الشوكاني في القرن الثالث عشر للهجرة/ التاسع عشر للميلاد، يعدون أنفسهم من أهل السنة، تمييزاً عن القلة من المتعصبين، الذين كانوا يعرفون بالإمامية والجارودية(14) أو بعض الهادوية الزيدية (15).
وجاء على لسان المستشرق الدانمركي الشهير كارستن نيبور Carsten Niebuhr ، الذي زار اليمن عام 1763م، أن أهل اليمن ينقسمون إلى سنيين يسكنون تهامة ومنطقة تعز، وزيديين يسكنون المنطقة الممتدة من إب إلى صنعاء، وهذا التقسيم يهمل كما هو واضح المناطق غير الخاضعة للإمام. [وقد مال نيبور إلىتوزيع السكان – حينها – إلى نسبة متساوية من السنة (الشافعية) والزيدية (الهادوية)، وبرغم مرور أكثر من مائتي عام على تقدير نيبور إلا أن النسبة السكانية لا تزال متوازنة]. ويشير نيبور إلى «أن أتباع المذهبين يتعايشون بصورة ممتازة، ولم أسمع أنهم يكرهون أتباع الأديان الأخرى. . . »(16).
ويرى صاحب «الحركات الاجتماعية والسياسية في اليمن 1918 – 1967» أن غالبية السكان (54،5%) [يدينون] بالمذهب الزيدي، بينما شكلت الفئة الثانية من السكان 45% ويدينون بالمذهب السني الشافعي، أما المذهب الإسماعيلي (الشيعي) فهو يتوزع على 05.% من السكان(17). وواضح أن هذا التقدير يتقارب مع تقدير نيبور رغم الفارق الكبير بين الزمنين، لكننا، وبالعودة للإحصائية السكانية للعام 2005م (إذا ما نظرنا إليها من زاوية التوزيع السكاني للمناطق بحسب انتمائها المذهبي)، سنجد أن النسبة السكانية، بين الزيود والشوافع لا تزال في حالة تقارب حتى وقتنا الحاضر، رغم التغيرات الديموغرافية، ورغم دخول عوامل جديدة أثرت في التركيبة المذهبية للمجتمع.
والمذهب الشافعي تأسس على يد الإمام محمد بن إدريس الشافعي (765 -819 م)، وحقق انتشاراً كبيراً في اليمن خلال القرن الرابع الهجري، خاصة في المناطق التهامية: زبيد، وتعز، وعدن، وحضرموت. وقد كانت للإمام الشافعي – رحمة الله – «صلة عميقة مبكرة باليمن، تمثلت في تتلمذه على يد علمائها، ثم توليهقضاء نجران، ومصاهرته بالزواج من أهل صنعاء. . وليس من شك في أن ذلك كان من أسباب انتشار مذهب الإمام الشافعي فيما بعد في اليمن» (18).
ولأن المذهب كان في الغالب قد انتشر في تهامة والمناطق الجنوبية، فقد زاده ثباتاً بها بأنه بات مذهب الدويلات والأسر الحاكمة، التي قامت بها منذ القرن الخامس الهجري / الحادي عشر للميلاد، كبني نجاح في (زبيد)، وبني رسول في (تعز)، وبني طاهر في (رداع المقرانة). وقد شجع ملوك وسلاطين تلك الدول العلماء والأدباء، وقربوهم إليهم ... (19).
والخلافات المذهبية بين الزيدية والشافعية، التي كانت تظهر من وقت لآخر بفعل المتعصبين، كانت تعود في الغالب إلى خلافات سياسية، يغذيها ويضرم نارها في صدور العامة "الحكام" فقد كان الشوافع في ظل الإمامة يشعرون بضيم جراء سيطرة الفئة الزيدية الحاكمة. وقد غذى العثمانيون الأتراك إثارة نوازع الخلاف الزيدي – الشافعي ، كما فعل الأئمة أيضاً، وكما كان الإمام يعتبر المناطق الزيدية مصدر قوته كما هي مصدر إهتمامه وقلقه، كان الأتراك المحتلون بالمقابل ينظرون إلى أتباع المذهب الشافعي بكونهم موالين لهم، وكانوا لموالتهم يتمتعون بامتيازات كبيرة من قبل العثمانيين، لذات الأسباب المذهبية، ويقول سلطان عمر في كتابه (نظرة في تطور المجتمع اليمني) "إن العهد التركي قد حمل معه إعطاء الإقطاعيين، خاصة في المنطقة الوسطى في اليمن (إب وتعز) ألقاب "الباشا" و"البك". . . على بعض الأسر الإقطاعية وبعض شيوخ المناطق.. وكان الأتراك يخلعون تلك الألقاب للأسر الإقطاعية، التي وقفت بجانبهم وتحالفت معهم في وجه دولة الأئمة الزيديين الوطنية (20).
ولعل الخلاف المذهبي، الذي كان يتحول إلى عداء سياسي في عهود الإمامة والاحتلالين التركي والبريطاني، قد تلاشى وحل محله التقارب بعد قيام ثورة سبتمبر 1962م، حيث التفت كل فئات المجتمع حول تجسيد الأهداف، التي قامت من أجلها الثورة، والتي كان في مقدمتها القضاء على حكم الأئمة، وإلغاء قيام الدولة وبسط سيطرتها على أساس مذهبي. وبالفعل تشارك الجميع في بناء النظام الجمهوري الجديد بمنهج كان لا يخلو من محاصصة (زيدية – شافعية).

