كتاب " الهوية والتواصلية في تفكير هابرماس " ، تأليف الناصر عبد اللاوي ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2012 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب الهوية والتواصلية في تفكير هابرماس
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

الهوية والتواصلية في تفكير هابرماس
لقد حاول حسن مصدق أن يكشف الرابطة الإيتيقية بين أخلاقيات التواصل والحوار العقلاني في تفكير هابرماس من حيث «إنّ أخلاقيات التواصل التي ينادي بها يورغن هابرماس(...) تقوم على المحاججة والإقناع(...) حيث لا يمكنها قبول القواعد والأحكام من دون برهان وجدال(...) يدعو إلى حوار عقلاني يمتلك فيه الإنسان المعاصر الرؤية والشجاعة اللازمتين لامتحان آرائه مع الناس»(34). إنّ التواصل في التصور الهابرماسي يقوم على أخلاقيات النقاش المنبثق أساساً من العقل. وبهذا يكون الإقناع هو القاعدة التي تجعل التوافق ممكناً بين الذوات، وهي تكتسي المسؤولية والحرية باعتبارها قيماً إنسانية تجنبنا السقوط في الخطاب العنصري والكلياني.
فرضية العمل
إذا ما حاولنا تقصي المتون الفلسفية التي تكشف لنا بكل ترو عن منزلة الهوية من جهة مقتضياتها النظرية والعملية، وهذا لايتسنى لنا إلا إذا انفتحنا على قراءات أعمال الفلاسفة التي ارتبطت جذرياً بفكر الهوية وتم اعتمادها في مقاربات فلسفية.
إن هذا الطور من الاستشكال يصل بنا إلى أن خطاب الهوية له قابلية الانفتاح والتعدد والتنوع حيث يستطيع أن يحتوي خطابات متعددة الأشكال والأنماط، تتحدد بموجبها ماهية الكائن الإنساني ذات الأبعاد المختلفة للكائن التاريخي وأحوال وجوده.
وقد عاين بروتر (Bruter Michael) العراقيل التي أفضت إلى أزمة المواطنة الأوروبية وفق قوله: «لكن، عوض أن نختصر العراقيل التي تهدد الهوية الأوروبية باعتبارها تتوافق مع النماذج المعتادة للأعمال الراهنة، وبالطرق المتنوعة في نطاق القوميات المخصصة لكل منها»(35).
إن هابرماس تجاوز مقاربتي: المادية لماركس والطرح الليبرالي، باعتبار كلا الفلسفتين الليبرالية والماركسية تمتلكان أفقاً موحداً لايخرج عن فلسفة الوعي، فهي في الأولى نزعة فردانية ذرية، تقوم على الفرد، وفي الثانية نزعة جمعية، تقوم على الطبقة، إلا أن الوعي الذي يبتغي الخلاص في كلتيهما مرده إلى الذات، فردية كانت أو جماعية، وكل منهما خلق تقاسيم مختلفة عن الآخر بالنسبة إلى مضمون الحرية الإنسانية. هذا المشروع الفلسفي يتجاوز من خلاله هابرماس «فلسفة الوعي والخطاب الليبرالي والماركسي ذي البعد التقني».(36)
ولهذا يطلق هابرماس على فلسفته الفعل التواصلي التي تجد أسسها داخل مجال التنويرية والشأن العقلي، وتنبذ العنف والقوة لتبلغ مستوى العقلانية التواصلية التي تضبط علاقة الفرد بالآخر. إذ تم بذلك إخضاع العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية القائمة داخل المجتمع على أساس أخلاقيات المناقشة وهو ما يفضي ضرورة لاستحضار الحوار الذي يقوم «على المساواة من دون ضغط أو إكراه»(37).
وهذا التناول الراهن للغة من منظور تداولي يجعل من هابرماس أحد رواد الفكر الفلسفي المعاصر.إذ يرقى بها من اللغة العادية إلى مستوى اللغة الفلسفية. يحاول فيها تقديم رؤية موسوعية تركيبية محورها الفلسفة، وعلم الاجتماع، واللسانيات التداولية وفلسفة القانون.
تعدّ هذه المقاربة الفلسفية المعاصرة ذات النزعة الكونية نقطة تحوّل استراتيجي في إعادة استشكال الهويات وبلورة قضاياها ضمن مطلب العولمة والكونية، وندرك خطورة هذه المسألة إنطلاقاً من مراجعته الهوية الحديثة «التي بقيت تعاني من التعارض بين الطابع الكسموبوليطيقي بماهو مواطن عالمي، وبين ماهو محلي إقليمي الذي يشكل قوام الدولة- الأمة، هوية سياسية مزدوجة فهو إنسان ومواطن في الوقت نفسه»(38). وهو ما يدعونا إلى تقصي دلالتها من الناحية المفهومية التي تفضي ضرورة إلى كشف آليات اشتغال الهوية كأساس فلسفي يترجم الفكر الإنساني المعاصر. فماهي الفرضيات التي ابتدعها لبلورة مسألة الهوية؟
يمكن ترجمة فرضيات عمله في الإمكانيات الفلسفية التالية:
أولاً: الطابع التوجيهي الذي تتميز به فلسفة هابرماس في أخلاقيات التواصل وسعيه الدؤوب في ربط الفلسفة بالواقع المعيشي. وهو ما تفاعل معه الفيلسوف داخل التفاهم وتحققه الهوية الجماعية. حيث يؤكد في كتابه بعد ماركس «كل هوية هي هوية جماعية تعيّن سلفاً ولا نختارها ولها استمرارية تتجاوز الآفاق البيوغرافية لأعضائنا»(39). ولكن التفاعل مع المتغيرات المتسارعة في تكنولوجيا الاتصالات والحواسيب واتساع السوق العالمية التي أفضت أساساً إلى تغيير معاني القيم وإلى التغيرات الاجتماعية. وهذا الأمر الذي يعكس شغف هابرماس بمستلزمات العصر جعله يرصد مسألة الهوية في أفق آخر يرقى فوق الخطاب الميتافيزيقي.
وبذلك استبدل إحداثية الوعي من مداره المتعالي الذي يجد حضوره في فلسفة الحداثة، لينعطف به إلى إحداثية اللغة التي اتسعت لنموذج جديد. وضمن هذا الفضاء الإيتيقي الجديد يظهر البشر كعناصر داخلة في حوار مستمر في ما بينها.« لقد تقرر انطلاقاً من دستور وطني يسنّ لنا الحقوق الذاتية في إطار الاتحاد الأوروبي، مدركاً للتركيب السياسي من منطلق الحقوق والواجبات للمواطنين المتكافلين.»(40)
ثانياً: تجاوز هابرماس المفهوم الخاطئ للحوار المنغلق الذي من شأنه أن يسبب أزمة التواصل. ولهذا يطمح إلى تجذير الحوار في الفضاء العام. يسعى الخطاب الهابرماسي إلى توثيق الصلة بين النظرية والممارسة، حيث يكشف عن العزلة الفكرية من جهة تمركز الخطاب حول الذات، التي لا تسمح بتطوير الفكر الإنساني الذي ينتصر إلى قيم كونية تهدف إلى المشاركة الفعّالة دون اقصاء أو تهميش، «الانتقال من المستوى الوطني إلى مستوى ما فوق الوطني، من شأنه - بالطبع - أن يغير من صلاحيات الدول الوطنية ويتسبب في ظهور نقائص للشرعية. وقد ينضاف إلى عجز الديموقراطية الحالية في المجتمعات المتعددة التي أصابتها العولمة، بحيث اضمحلت كجوهر ثقافي للتضامن بين المواطنين كما ترعرع في الدولة – الأمة»(41)

