أنت هنا

قراءة كتاب عباءة حب

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
عباءة حب

عباءة حب

كتاب " عباءة حب " ، تأليف ماري رشو ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2011 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 1

1

كيف أبدأ والبدايات مقلقة؟

وهذا ما جعلني أمحو عشرات الصفحات قبل أن أستدل على أسلوب يمنح ما أكتبه مزيداً من التألق. وما جعلني أيضاً أعتني بقصاصات اختزلت فوقها في أوقات متفرقة بعض التفاصيل.

أما العناوين فلها أيضاً قلق البدايات وزحمتها. منها "الحب الحرام"، "الحب الحلال"، "أن أتذكر"، "أن أنسى"، "العاشقة"، "الخائبة"، وكلها عناوين لا تخلو من المباشرة؛ فأتركها قليلاً لتذهب عيناي للنظر إلى صورتك المستلقية على طرف المنضدة. هذه الصورة التي لا تشبهك كثيراً والتي شكّلتها بقلمي الداكن أكثر من مرة، وفي كل مرة كنت أفشل في نقلها. ليس معنى هذا نسياني لتقاطيع وجهك، بل على عكس ذلك، فكل ما يتعلق بك محفور في مخيلتي التي لاتزال صافية جداً.

أهم من ذلك هو أن عجزي عن الدخول إلى عالم الكتابة، جعلني أغيّر أجوائي، فقد يكون ما أصابني من عقم له علاقة بضجيج المدينة، أو بأبنيتها المتراصّة والمنتشرة بعشوائية على مد البصر.

لست أدري كيف ولدت الفكرة؟ فعلى عجل قررت وعلى عجل تحركت. فنصب عيني الابتعاد بطريقة ما.

كان عليّ ألا أنسى ما يلزمني من أجل غياب أسبوع. دفتر للكتابة. أقلام. نظّارة للقراءة. عباءة للنوم. عباءة للنهار. حقيبة العقاقير. حقيبة التبرج.

إنها فرصة للتغيير، مادام زوجي سيغيب شهراً في رحلة عمل كما أطلق على سفرته تلك، وبما أنني على يقين أن بصحبته امرأة ما، وبما أنني أيضاً أعبر فوق علاقاته تلك بلا مبالاة، ولهذا أتى القرار غير قابل للتغيير، وفي الحال أشرت للعاملة بالاستعداد.

كل شيء يوحي بالتفاؤل.

ابتسمت العاملة وربما تذكرت وقفتي وأنا أصغي إلى قارئة الفلك وتعليقاتها هذا الصباح، فقد أكدت أن في حياة مولود هذا اليوم نقلة جديدة، فإن تم استثمار معطياتها جيداً، ستحدث انطلاقة تدوم أعواماً.

لا. فليس لمهاترات كهذه دور في قرار السفر، وليس لنصيحة نعمة صديقتي الوفية التي ترى أن ابتعادي عن أجواء المدينة سيساعدني على استرداد صحتي التي بدأت بالتدهور منذ شهر تقريباً. فقد أتى كل شيء كومضة أضافت إلى قناعاتي الرضا.

الومضة أيضاً حملت في داخلها مزيداً من التفاصيل التي لها علاقة بالنصائح، ومع أنني على ثقة أن مدة أسبوع لن تتكفل بنسيانك، كما أن غياب عام سيعجز عن ذلك، غير أن الفكرة ستكون وسيلة لإعلامك عن مرحلة جديدة في التجاهل، ما دمت سأغيب عن حياتك بضعة الأيام هذه.

إذن حديثي موجه إليك. أنا أكتب لتقرأ. أقدم تقريراً بتحركاتي، السابق منها واللاحق، إلى لحظة القرار، مروراً بمراحل التنفيذ.

لم يبق سوى الهتاف لنعمة. ولأنها تمارس العمل الكتابي منذ شبابها، أخبرتها عن محاولاتي الكتابية، التي ربما سأفشل في نقلها إلى الورق. فدهشت من خبر كهذا؛ أكدت لها أن ما أقوم به لا علاقة له بالكتابة الجادة، وأنه مجرد أفكار تعتمل في رأسي، وستبقى حبراً على ورق، ولن يخرج إلى العلن أو إلى الصحف كما تفعل هي. كل ما هنالك أنني أستوحي الأفكار من سيرة زوجي وسيرة بعض الرجال، فقد يكون الاستغراق في العشق وإن كان فوق صفحات الورق، لأنه يخص امرأة، أكثر ضجيجاً واستهتاراً من حياة صاخبة لرجل يعيش العلاقة بكل أبعادها في الواقع.

أتتني ضحكتها على الهاتف، وبطريقة لا تخلو من مزاح أشارت إلى خيالي الذي سيعجز عن الوقوف أمام سياق الحقيقة، وعليّ الانتباه من خيال يتضمن في اللاشعور كشفاً لما هو غاف في مخزون الذاكرة، ولم تنس اتهام الثقافة بأنواعها -وهي المولعة بتلك الأحاديث- عن منعنا من التحرك في فضاء الواقع، حيث نضطر للسباحة في عالم الخيال، حالمين بتحقيق ما لا نستطيع تحقيقه، بينما نجهل مدى الخسارة ومردودها علينا أو على الآخرين، ونحن نحلم أو نتمنى في فضاء أقرب إلى الوهم منه إلى الخيال. ولم تنس التعليق حول ما يترتب على المرأة في حال ممارستها للحرية أو عدم ممارستها لها من دفعها لثمن باهظ في الحالتين.

نسيت للحال ما قالته.

أصبحنا أنا والعاملة على استعداد.

عددت ما يحمله الأسبوع من ساعات. دقائق. ثوان. رقم مشبع بالرضا. رقم تخطى ساعات متواصلة من الترقب. الآن. بعد قليل ثم الآن. لماذا تطول الساعات والدقائق في انتظار صوت لم يأت وكلمة لم تقل؟

أشبه امرأة منحوتة على جدار نسيها فنان لا يتقن صنعته. امرأة تدب الحياة في جسدها كل لحظة ولا تعرف كيف تنتقل إلى مكان آخر كي تتلقى لفحات من الدفء. البرد. الفرح. الحزن. مشاعر وأحاسيس تؤكد أنها في صلب الحياة التي وجدت نفسها تحلم بها على حين غرّة.

أجل أتى كل ذلك بطريقة فجائية.

وبطريقة فجائية أيضاً قررت أن أبدأ صفحة جديدة.

بين الاستمرار والتوقف ومضة قدرية تحمل لهفة الإنقاذ. أما لحظة الاستجابة فأتت ضمن سياق رغبة في استنجاد بالهروب، أو في نقلة جديدة أكدت عليها قارئة الفلك.

لم يكن الطريق طويلاً، بل مسافة تكفي لاسترجاع بعض الذكريات لا أكثر.

كل شيء جميل. السماء. الشمس. رائحة الجوري. عبق الزهور. زقزقات العصافير ولون عينيك.

الصفحات