أنت هنا

قراءة كتاب حكايا الروح والإسمنت

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
حكايا الروح والإسمنت

حكايا الروح والإسمنت

كتاب " حكايا الروح والإسمنت " ، تأليف مجموعة مؤلفين ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2010 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
2
Average: 2 (1 vote)
الصفحة رقم: 3

يرجع أحد أسباب فرحتي في العمل في دمشق إلى التعرف على اللغة العربية. اللغة العربية مليئة بالتلميحات الضمنية والتعقيدات المجازية التي كانت أحياناً تصدم أذني الغربية بالقوة العميقة ذاتها التي شعرت بها في المسجد. إنها لغة تبدو قادرة على فتح العديد من الاحتمالات. أحد الأمثلة المفضلة بالنسبة لي كان اكتشافي للثنائيات المتناقضة في اللغة العربية - تحديداً عندما يتعلق الأمر بوصف الله والخلق. وهناك مثال ظل هاجساً لدي هو الباطن والظاهر - الروحي/الخفي والمادي. إن الشيء المادي هو ذاك الذي يظهر، ذاك الذي يمكننا لمسه، أما الروحي فهو على النقيض تماماً، إنه ذاك الشيء الذي لا يمكن رؤيته. ويشكل كلا هذين المفهومين العالم بأسره. هما ضدان ومع ذلك لا يمكن لأحدهما أن يوجد دون الآخر.

صدمني هذا التضاد حيث إنه يقع في قلب تجربة الكتابة المسرحية. يكتب الكاتب لأن لديه شعوراً، سؤالاً، شيئاً عميقاً في الداخل يتوق للانطلاق: شيئاً باطنياً/ خفياً. ليبدأ بعدها البحث عن عناصر مادية عديدة لمعالجة هذا الشيء: الممثلون والتجهيزات. تصبح المسرحية شيئاً مادياً عندما تُمثل لكنها إذا نجحت فسيشعر الجمهور بالعاطفة، بالسؤال، بالقلق- سيخوضون تجربة الباطني. المسرح فن مادي بالدرجة الأولى. إنه وسيلة نستطيع استخدام المادي فيها للتعبير عن الخفي. ما أثار اهتمامي عند الكتّاب الشباب في دمشق كانت الطريقة التي حاولت المسرحيات من خلالها سبر هذا التناقض على نطاق أوسع. التقطت مسرحياتهم الفرق بين الحياة كما يرونها (المادي) والحياة كما ينبغي لها أن تكون (الخفي).

قلت للمجموعة بعد الورشة إنهم في حال كانوا مستعدين لتطوير المشاهد لتصبح مسرحيات مكتملة فإنني سأعود وأعمل معهم ثانية. لم أكن أتوقع أنهم سيأخذون عرضي على محمل الجد. في إسكُتلندا يعتبر هذا العرض مسألة ذوق لا أكثر. لقد شعرت بطاقة مختلفة معهم ومع ذلك صدمت عندما وصلني بعد بضعة أشهر قرابة العشرين نصاً مسرحياً كاملاً. عدت إلى دمشق بضع مرات خلال السنتين التاليتين للعمل مع الكتّاب المسرحيين حتى حصلنا أخيراً على تسعة نصوص مسرحية جاهزة قدمت مشاهد منها على شكل قراءات في المعهد العالي للفنون المسرحية. كان العرض مثيراً للجدل بالفعل. رأى بعض الحاضرين أن المسرحيات مادية للغاية وقاسية. غضب آخرون من التحديات التي ضمّنها الكتّاب في طرح بعض الأفكار الهامة الخفية كحب الوطن واحترام الأهل. لكن العديدين كانوا متأثرين- مثلي - بالطاقة الكامنة في هذه المسرحيات القلقة والمشككة. تمت ترجمة بعض هذه الأعمال إلى اللغة الإنكليزية لاحقاً لتُقدَّم على شكل قراءات في مسرح الرويال كورت في لندن. وقد كانت هذه المسرحيات نفساً من الهواء المنعش لجمهور اعتاد سماع الكليشيهات فقط عن العالم العربي.

إن هذه المسرحيات مثيرة لكنها دون أدنى شك رائعة. وهؤلاء هم كتّاب في بداية رحلتهم وما يزال أمامهم طريق طويل يعبرونه قبل أن يستطيعوا رؤية أعمالهم الخاصة تُقدَّم كاملة وبشكل احترافي على خشبات المسارح. قرر بعض هؤلاء الكتّاب الذين كانوا متورطين في هذه العملية الطويلة والخصبة، قرروا تأسيس تجمُّع يدعمون فيه أعمال بعضهم للبعض الآخر. وهم: شادن أسعد، عمر جباعي، مضر الحجي، سومر داغستاني، لمى عبد المجيد، وائل قدّور، عبدالله الكفري، أحمدية النعسان. أطلقوا على هذا التجمع اسم "ورشة الشارع". وتلقَّوا دعماً من المجلس الثقافي البريطاني لمساعدتهم على تنظيم عملهم، إلا أن دافع تشكيل هذا التجمع بالأساس يعود لهم. ومنذ ذاك الحين، يحث أفراد ورشة الشارع بعضهم بعضاً على الكتابة، وينظّمون قراءات مسرحية ويدعم كل واحد عمل الآخر. على خلاف المملكة المتحدة أو الولايات الأمريكية، لا يوجد في سورية بنية تحتية متطورة ومخصصة لدعم الكتابة الجديدة التي ينتجها الشباب. كان على ورشة الشارع أن تقاتل كثيراً لضمان استمرارها. عندما أقوم بزيارتهم الآن، أو عندما أقرأ مسرحياتهم، أشعر على الدوام بالطاقة النادرة التي يمتلكونها، والتي تشكّل دافعهم الخاص ليكتبوا بحثاً عن جواب المسألة التي بدأنا بها رحلتنا في تلك القاعة الضيقة - ألا وهي: حكايات دمشق - الآن.

وجدت في هذه المجموعة أن الكتّاب ما زالوا يصارعون لتقديم الواقع. نجد في مسرحية "برونز" لمضر الحجي سجّاناً وسجيناً في حلقة من عدم الثقة والخوف. السجين كاتب وسجانه يريده أن يكتب قصيدة لاجتذاب الفتاة التي يتوق إلى حبها. في هذه الأثناء، يصارع الكاتب، البعيد عن المثالية هو نفسه، رغباته الخاصة المحرّمة. إن برونز مسرحية قلقة بشكل عميق تتحدث عن قوة الكلمات: قوة الكلمات على الجذب والصد على حد سواء. إنها ساحرة بطريقتها في عرض كيف تستطيع الكلمات أن تحوِّل الأفكار إلى أفعال محسوسة - في ما لو كانت هذه الكلمات صادقة. إن برونز مسرحية رومانسية بحق، قصة حب لم تتوج امرأة بعينها بل كانت من نصيب الحقيقة.

ما يميز مسرحية وائل قدّور "خارج السيطرة" هي أنها تقتصد في استخدام الكلمات لصالح المدينة. تعنى المسرحية بامرأة تعيش في شقة في المدينة، وتتزوج رجلاً من دين مختلف ويهربان بعيداً اتقاءً من عقاب أخيها. لقد انتقلت للعيش في المدينة حيث تضمن أن تكون مغمورة وسط صفوف كتل الأبنية المتلاصقة. نجد هنا انقلاباً مثيراً للاهتمام. يتم غالباً توجيه الانتقادات إلى المدينة لأن الناس فيها لا يعرفون بعضهم بعضاً. لقد تشكل مفهوم المدينة على أنها مكان للوحدة. لكن المدينة هنا صارت مكاناً للأمان، وصارت كتلها المحتشدة غطاءً للبطلة، وكونها مغمورة هو ما أعطاها حريتها.

إن هذه مسألة هامة في المفاهيم السوسيولوجية. تنمو المدن باطراد حول العالم مما قدم دليلاً على أن النساء يبذلن الكثير من الطاقة القيادية في مدن الأكواخ النامية مثل ريو ومكسيكو سيتي وبومباي، الخ. في هذه الفضاءات الفوضوية والمغمورة، تصبح النساء أكثر تحرراً لكسب معيشتهن ولكي يصبحن مغمورات وليتحررن من السلطة الذكورية. قد تكون الحياة صعبة هناك لكنها أفضل بكثير من القواعد الخانقة للحياة الريفية. وبالطبع، لا تستطيع النساء النجاة للأبد في ظل سعي العالم البطريركي الحثيث إلى فرض سيطرته بقوة.

"سعاد تجدل ضفائرها" لسومر داغستاني تتناول التوتر بين الحياة التقليدية والقوانين القروية وبين فرص المدينة والحرية فيها. إنها سبر كئيب للغاية من خلال عرض جريمة شرف وعواقبها. ينتج هنا عن إنهاء حياة شخص - هي أم لشقيقين - زهق حياة شخص ثان ودمار نفسي شامل لثالث آخر. يكشف داغستاني هنا مجدداً الطريقة التي تؤثر فيها الأفكار الباطنية - كالشرف مثلاً - على حياتنا. يُجبر الابن على اقتراف جريمة بحق والدته لكي يدافع عن شرف العائلة. إنه يحتقر هذا الفعل ويرفضه لكن ليس إلى الدرجة الكافية. يبدأ العالم كما ينبغي له أن يكون بالهيمنة على العالم كما هو في النهاية، وهذا ما يدفع الشاب، العاجز عن العيش في هذه المتناقضات، إلى الانتحار.

تأخذ مسرحية "دمشق - حلب" لعبدالله الكفري عنوانها من مدينتين. إنها، ربما أكثر من غيرها، مسرحية تلخص جوهر المدينة. نرى أيمن، وهو عالم نفس ناجح في دمشق، يعجز عن تقبُّل مِثْليَّة ابنه. لو كان الأمر متعلقاً بواحد من مرضاه فلا بأس، لكن ابنه! هذا يثير العديد العديد من الأسئلة المستحيلة. يتم طرد ابنه من المنزل ليبدأ أيمن بعدها رحلة البحث عنه. تخترق المسرحية طريقها عبر الحيوات والعلاقات المتعايشة على خلفية مدينة حديثة للغاية وأثرية للغاية، معاصرة للغاية وتقليدية للغاية. الحكاية هنا هي رواية حزينة وسبر كئيب للدمار الذي يصيب العائلة عندما يعجز الأب عن التوفيق بين ما يعرفه وما يشعر به.

عند قراءتي لهذه المسرحيات، كنت متأثراً جداً بعزم كتّابها على مواجهة التناقضات والرياء المتخفي في المدينة بينما هم، وفي الوقت ذاته، مليئون بالأسئلة حول الأشخاص والأماكن المادية التي تشكل نسيج هذه المدينة. لقد اختاروا عنواناً للكتاب هو "حكايا الروح والإسمنت". ولا أستطيع تخيل تعريف أفضل منه للمدينة - مكان مؤلف من الروح والإسمنت.

عندما وقفت في المسجد العظيم صباح ذاك اليوم عام 2004 ونظرت إلى السماء الزرقاء، تملّكني إحساس عميق بالعلاقة بين الإسمنت والروح. في وسط فوضى الأشياء المادية، نجد سماء ونربح فضاءً. لو لم يكن هناك شيء مادّي لما توافر إطار يجذب أعيننا إلى السماء. ومن دون الجمال الأبدي للسماء، ما كنا لنستطيع أن نلاحظ الجمال المؤقت لأنفسنا المادية. الروح والإسمنت: كلاهما موجود في اللحظة ذاتها، كلاهما ضروري لتشكيل مدينة، كلاهما ضروري لتأليف مسرحية.

الصفحات