كتاب " سؤال الهوية الكردية " ، تأليف عبد الكريم يحيى الزيباري ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2012 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب سؤال الهوية الكردية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

سؤال الهوية الكردية
أزمة الهوية في النَّسَق المعرفي
أين المجتمع الكردي في التقسيم الثنائي للمجتمعات: حديثة، قديمة؟
لكن ما هي معايير الحداثة؟
المجتمعات الحديثة تنظرُ إلى مؤسَّسات الدولة، نظرة أليفة، كما تنظرُ إلى بيتها، وتحتقرُ الكاذب أيَّما احتقار، ولا يوجد أحد يقبلُ على نفسهِ أن يقبض راتبين من الدولة، ويأنف الكثير من الحصول على إعانة العاطلين رغم الحاجة، سألت الكثير من المغتربين: ماذا تعلمتم؟ فأجابني الكثير، مباشرةً: الصدق. هل كانَ مجتمعنا يُعَلِّمُهم الكذب؟
هذا السؤال يحتاج إلى وقفة طويلة، لماذا لا يزدان الكذَّاب عندنا، المتملِّق، المنافق، بالاحتقار الذي يلحقه في المجتمعات الغربية؟ لم نرَ أو نسمع أنَّ مسؤولاً في دول الغرب، يمدحُ نفسه، أو يسمحُ للآخرين بمدحهِ حدَّ التقديس، نحن نصنع آلهتنا بأيدينا، ثمَّ نعبدهم، لديهم الخيانة الزوجية عارٌ للجنسين معاً، الذكر والأنثى، لكن هنا يبدو أنَّ الذَّكَر قد تمَّ إعفاؤه بعد تراكمات وتكريس مفهوم خاطئ للفحولة، حيث إنَّ الكثير من الذكور المتزوجين يفتخرون بخياناتهم أمام المجتمع، وأمامَ زوجاتهم في أحيانٍ كثيرة، وإنْ في صورة مزاح، انهيار المنظومة الأخلاقية يسبقه زيادة الهوَّة بين مؤسسات الدولة والمجتمع، بحيث يعتقد الموظَّف المرتشي، أنَّه يأخذ حقه المسلوب، وهذه فكرة سيئة جداً، ولهذا هلَّلَ هيغل لاجتياح نابليون، لأنَّهُ كان يعلم أنَّ المجتمع الأوروبي سوف يتغيَّر إلى الأبد، وفَهِمَ الأباطرة أنْ ليسَ بمقدورهم الوقوف في وجه نابليون، ما لم يحدثوا تغييرات جوهرية في البنية الاجتماعية والسياسية، وبناء مؤسَّسات تعيد المواطن إلى حاضنة الدولة، ولقد وجدَ علماء البايولوجي أنَّ البقاء والفناء، يعتمدان على قدرة الكائن على التغيير، لأنَّ استمرار النَّسَق، لا يعني شيئاً آخر غير الموت، و(أنَّ سؤال الهوية لنسقٍ ما، يجب طرحه والإجابة عنه من داخل النَّسَق نفسه، وليس عِبرَ مراقب خارجي، يجب أنْ يستخلص النَّسَق قراره بذاتهِ، فيما إذا كان قد تغيَّر أثناء المسار التاريخي من خلال تغيُّر البُنَى إلى درجة أنَّهُ لم يعد هو نفسه) (24).
صار الكردي أكثرَ اعتزازاً بهويته، يريد اسماً يدلُّ عليها، شفان، كاوه، دلشاد، وغير ذلك، أما الذين اضطرَّ آباؤهم إلى اختيار أسماء عربية لهم، فيتسمون بألقاب كردية، كتغليف للاسم الحقيقي المذكور في هوية الأحوال المدنية، وما زال الكثير يرفعون دعاوى تغيير الاسم إلى محاكم الأحوال الشخصية، وكأنَّهم بتغيير الاسم يرومون تغيير الحياة برمَّتها، ففي إقليم كردستان ازداد هذا النوع من الدعاوى بعد عام 1991، الكثير غيروا أسماءهم العربية إلى أسماء كردية، وبعد 2003 امتلأت المحاكم العراقية بالكثير من الدعاوى، هذا نَسَقٌ شَخْصِيٌّ سلوكي، ذو وظيفة محددة، استناداً إلى منطق ذاتي منفرد مستقل، لكنه يصبُّ في نهاية الأمر لمصلحة نسق اجتماعي مرتبط بالبيئة، باعتبارهِ شرطاً من شروط استمرار المجتمع الكردي، كمجتمعٍ ذي خصوصية متمايزة، من جانبٍ آخر، يؤكِّد هذا النَّسَق أنَّ الهوية الكردية تمر بأزمة فكرية عميقة، حيث ما زالت تحتفظ بنسق معرفي إدراكي سائد منذ الخمسينات والستينات، باعتبار توافر الشروط الدنيا التي يجب توافرها لتحقيق المحافظة على الهوية الكردية، الأسماء الكردية ليست وحدها شرط استمرار الهوية الكردية، بل هي الشرط الأدنى لهذا الاستمرار، والارتكاز عليها يعني إحداث تغيير في هوية النَّسَق الاجتماعي، بسبب تهميش النَّسَق المعرفي الإدراكي، والاعتقاد السائد أنَّ للإنسان من اسمهِ نصيباً، إنْ خيراً فخيراً، وإنْ شرا فشراً، فلا تجد أحداً يُسمِّي ابنه قبيحاً، ولكن جميلاً، وجمالاً، ولبعض الأسماء الكردية عمق في لغات أخرى، كالتركية والإيرانية، مثل شيرين، اسم فارسي يعني الحلوة العذبة، شاهيناز فارسي: شاه يعنى ملكاً، ناز يعني دلعاً، ترجمتها الملك المدلَّل، وآزاد اسم فارسي يعني الحرية، ونرمين اسم تركي يعني ناعماً، نيفين تركي يعني قمر الأقمار.
لكن هذا لا يعني ترك الأمور تسير في أعِنَّتها، بالعودة إلى المشيئة الإلهية، والقعود عن التفكير والعمل، وحين قال طرفة بن العبد:
فَلَوْ شَاءَ ربّي كنتُ قيْسَ بنَ خالدٍ
ولو شَاءَ ربّي كنتُ عَمْرَو بْنَ مَرْثَدِ
ما كان يعني تغيير الأسماء فقط، لأنَّ المذكورين كانا من سادة العرب، وأثريائهم، وهو ما يعني تغييراً جذرياً في الهوية، كقول أبي العلاء المعري:
لو شاءَ ربّي لَصَاغَني مَلِكاً
أوْ مَلَكاً، ليسَ يعجَزُ القَدَرُ
وقد أوردَ الأصفهاني في كتابهِ الأغاني، حكايةً طريفة عن استبعاد النَّسَق المعرفي، والركون إلى السطحي:

