كتاب " ما بعد ماركس " ، تأليف د. فالح عبد الجبار ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2010 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
مهدي، يا صديقي إليك أهدي هذه الأوراق
أنت هنا
قراءة كتاب ما بعد ماركس
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

ما بعد ماركس
ماركس ومونتسكيو
تعتمد تحليلات ماركس وملاحظاته على وقائع تجريبية ملموسة، فهذا هو صلب وأساس منهجه في البحث. حسبنا التذكير بأن مراجع «رأس المال» ناهزت العشرة آلاف مرجع ووثيقة.
لكن هذه التحليلات لا تتميز في كونها ملاحظات غير منسقة في نظرية خاصة بالدولة، فحسب (كما أشرنا) بل أنها ذات محدودية أخرى، زمانية ومكانية.
لا ريب في أن ماركس درس دراسة مستفيضة تاريخ ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، بما في ذلك تطورها السياسي، وبوجه أدق تطور الدولة.
إن تعميماته وملاحظاته تعتمد أساساً على هذه البلدان. بتعبير آخر إنها تعتمد على جزء من التجربة الأوروبية المعاصرة لها.
وماركس نفسه يعترف، بتواضع العالم، أنّ دراساته عن الدولة محدودة تماماً. وهذا ما نراه في نقاشه مع الحركة العمالية في هولندا (مؤتمر الأممية في لاهاي 1872) حيث يؤكد أنه يجهل خصائص الدولة وتطورها في هذا البلد، ولا يستطيع أن يقرر إن كانت الثورة البروليتارية قابلة للتحقيق بوسائل الاقتراع العام (كما في إنجلترا) أم بوسائل العنف، كما يتوقع لها في بعض بلدان القارة (فرنسا أساساً).
الميزة الأخرى لتعميمات ماركس أنها محدودة من حيث الزمان أيضاً. فهي تتمحور بدرجة أساسية على القرن التاسع عشر.
مثل هذه المحدودية في رقعة المكان والزمان تجعل أي تعميم ناقصاً. فالاستدلال (induction) الفكري، أي استخلاص مفهوم عام من حالات فردية، لا يتحقق، كما رأى أرسطو، إلا بعد الفراغ من معاينة كل الحالات الفردية. ولربما لهذا السبب بالذات أدار أرسطو ظهره إلى الاستدلال (induction) باعتباره محالاً منطقياً. ولربما لهذا السبب بالذات أحيت الفلسفة الإنجليزية على يد فرنسيس بيكون، مبدأ الاستدلال المنطقي ارتباطاً بالنزعة التجريبية، أي دراسة الحالات الجزئية.
من المفيد هنا أن نقارن نماذج ماركس بنماذج مونتسكيو. مرد هذا الاختيار أن مونتسكيو هو أحد المنابع الأساسية لفكر هيغل السياسي الذي تعلق به ماركس، نقداً أو قبولاً، كما أن مونتسكيو هو خير مرجع كلاسيكي للنظم السياسية المقارنة.
يعتمد مونتسكيو في نظريته الحقوقية ــ السياسية (روح الشرائع) مقارنات تاريخية ــ حضارية ـــ جغرافية واسعة، مرنة، ومركّبة.
معروف أن منطلق مونتسكيو هو النظرة الحقوقية، أي دراسة القوانين.
إنه يرى، أي مونتسكيو، في القوانين أو الشرائع «عقل الإنسان» التي ستتحول إلى «العقل» أو «الفكرة» الهيغلية لاحقاً.
ونراه ينظم دراسة الحقوق من الأعلى إلى الأدنى. وهناك أولاً القانون الطبيعي (الناشئ عن تركيبنا ككائنات طبيعية)، (حق السلم، حق الاغتذاء، حق الوصال الجنسي).
هناك ثانياً القانون الوضعي، وهو يتمايز إلى حقول شتى: حق الأمم (العلاقات بين الدول) الحق السياسي العام (الحكمة البشرية التي تتأسس عليها كل المجتمعات) الحق السياسي الخاص المميز لكل مجتمع (علاقة الحاكم بالمحكوم) الحق المدني (علاقة مواطن بآخر، أي العلاقات الاجتماعية)، والحق المنزلي (الأسرة).
ولو قلبنا التسلسل لتشكلت عندنا السلسلة التالية: الأسرة، المجتمع المدني، المجتمع السياسي (الدولة)، النظام الدولي. وهو بنيان فلسفة الحق نفسه عند هيغل كما سنرى.

