كتاب " ما بعد ماركس " ، تأليف د. فالح عبد الجبار ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2010 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
مهدي، يا صديقي إليك أهدي هذه الأوراق
أنت هنا
قراءة كتاب ما بعد ماركس
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

ما بعد ماركس
نقد ماركس لهيغل يتناول الفقرات 261 ــ 311، أي نحو 50 فقرة، تغطي ربع العرض النظري العام عند هيغل، ونصف عرضه المباشر للدولة، وهو يتركز على بنية الدولة كمؤسسات، أو حسب تعبير أحد الباحثين المجريين (من أتباع لوكاتش) أن ماركس درس «جهاز الحكم»، أي الحكومة، ولم يدرس الدولة عند هيغل.
أين يتركز نقد ماركس لهيغل؟ تركز ملاحظات ماركس النقدية، النافذة، في اتجاهين. الأول نقد المنهج المثالي، أي ما يسميه ماركس قلب الذات إلى موضوع، والموضوع إلى ذات، قلب الحامل والمحمول، إحلال الواحد محل الآخر، تحويل الجوهر إلى عرض، والعرض إلى الجوهر. مرد هذا أن منهج هيغل، حسب تعبير ماركس، غارق في الصوفية البانثائية (وحدة الوجود) المنطقية، النزعة الصوفية اللانقدية، والنزعة الموضعية اللانقدية، أي باختصار نقد الفلسفة التأملية.
الاتجاه الثاني لمعالجة ماركس ينصب على موضوعة انفصال المجتمع المدني عن المجتمع السياسي، انفصال المالك (في المجتمع المدني) عن المواطن (في المجتمع السياسي = الدولة)، انفصال عالم الحاجات والإنتاج عن عالم الحقوق السياسية. يسلط ماركس نيران نقده على بناء الوحدة المصطنعة، عند هيغل، بين الاثنين. فالدولة تبدو له بمثابة استلاب، إنها ليست الفكرة متجسدة، إنها ليست مشتقة من الفكرة المطلقة، إنها ليست العام الذي يوحد في جوفه الجزئي، إنها الاستلاب متجسداً.
سيحتفظ ماركس بهذه الموضوعة الهامة في نقده للدولة الحديثة ويطورها في تحليلاته السياسية لعدد من الحالات الملموسة.
خلاصة نقد ماركس أن الأولوية المقررة في نشوء الدولة تنبع من المجتمع المدني، وثانياً، إن الانفصال بين المجتمع المدني والدولة ينبغي أن يجد سبيله إلى الحل.
إن فلسفة هيغل السياسية، كما يلاحظ بيلسينزكي، تقوم على أربعة عناصر أساسية هي:
1 ــ مفهوم المجتمع المدني كمظهر هام وفريد للدولة الحديثة.
2 ــ مفهوم الدولة كجماعة سياسية أو أمة منظمة سياسياً.
3 ــ مفهوم التاريخ العالمي بوصفه مسار تشكّل ونمو، وسقوط وانحلال الجماعات الأساسية (الأمم).
4 ــ مفهوم التحقق الذاتي للوعي والحرية من خلال نشاط الأفراد في الأمم وتفاصل الجماعات السياسية (كأمم) في الزمان والمكان.
في هذا الضوء أخذ ماركس عن هيغل الحقل الأول (مفهوم المجتمع المدني)، ونبذ الحقول الثلاثة الأخرى.
يرجع هذا الموقف إلى المناخ الفكري وظروف كتابة كل من «فلسفة الحق» ونقد ماركس لهذا الكتاب.
كان ماركس، كما أسلفنا، في الخامسة والعشرين حين وضع هذا النقد، وكان قد كتبه تحت تأثير فيورباخ أساساً. (هناك من يذكر تأثير الكونت البولوني أوغست سيوكوفسكي)، وتركز المدرسة الفيورباخية على نقد صوفية ومثالية هيغل، مثلما تركز على جبنه وتراجعه السياسي بوجه الدولة البروسية.
والملاحظ في هذا الصدد أن هيغل وضع نصين مختلفين عن فلسفته السياسية. النص الأول هو سلسلة محاضراته عن «القانون الطبيعي وعلم الدولة» التي ألقاها في الفصل الدراسي شتاء 1818 ــ 1819. وفي هذه المحاضرات يعلن هيغل، جهاراً، انحيازه إلى الشكل الجمهوري، الديمقراطي والدستوري من الحكم. ولدى الإعداد لنشر الكتاب ربيع 1820، صدر ما يعرف بـ«مرسوم كارلزباد»، في فترة عودة العروش الأوروبية (بعد هزيمة نابليون)، الذي فرض رقابة صارمة على الجامعات، وأعاد نشر فكرة أن سيادة الملوك أصيلة، غير مشتقة! رضخ هيغل، صاغراً، لهذا التحول وحذف كل الفقرات التي تفصح عن نزعات دستورية أو جمهورية مباشرة. زد على هذا أنه وسّع المسودة الاصلية للمحاضرة (وتقع في 121 فقرة) وأعاد صياغة أسلوب العرض، ممعناً في طابعه التجريدي. لهذا السبب اعتبره الكثير من معاصريه كتاباً نما في حقول الخنوع والذل.
عدا عن المناخ الفكري، المؤثر بلا شك، هناك انعدام للتناسب بين عرض المجتمع المدني، عند هيغل، وعرض الدولة كجماعة قومية محددة. وهذه نقطة هامة لا يمكن إغفالها.
يستعير هيغل الفلسفة الاقتصادية (سميث وآخرين) لوصف وتحليل المجتمع المدني كنظام عام، مجرد، الفاعل فيه هو الإنسان (أو الفرد) المجرد، والفعل فيه يتركز على نظام الحاجات: المأكل، الملبس، المشرب، الذي يخلق شبكات معقدة من تنظيم وتقسيم العمل والإنتاج والتبادل والحقوق، والمؤسسات الاجتماعية الناظمة لهذه النشاطات.
يكرس هيغل لهذا الجانب العمومي (العمل، الحاجات، الحقوق، إلخ) الحيز الأكبر من مؤلفه.
لكن للمجتمع المدني مظهراً آخر، خارج حدود العمومية المجردة للإنسان الاقتصادية (العالمي؟) هو مظهر المجتمع القومي المحدد، المتميز بثقافة ولغة وتاريخ محدد، تلغي العمومية المجردة أو تضفي عليها طابعاً جديداً.
هذه الازدواجية المميزة للمجتمع المدني، التي يقرها هيغل (خلافاً للمدرسة الاقتصادية الكلاسيكية) لا تبرز عنده إلا في إشارة وجيزة (الفقرة 209 من فلسفة الحق)، حسب قول بيلزنسكي: فهيغل هنا يحذّر من أن صورة المجتمع المدني كنظام شامل للحاجات، لا تشكل سوى نصف الحقيقة، لأن الإنسان ليس مجرد عضو في مجتمع مدني مؤلف من المنتجين والمستهلكين المتعاقدين، بل هم أيضاً أفراد جماعة قومية محددة قائمة في إطار سياسي معين، وبناء عليه، يخلص بيلزنسكي، إلى أن هيغل يرى أن المجتمع المدني والجماعة السياسية القومية هما مظهران متعارضان، شكلان اجتماعيان متضادان ومترابطان ديالكتيكياً، للظاهرة الواحدة عينها.
هذه الفكرة الهيغلية، الحاسمة إلى حد كبير، تكاد أن تكون مهملة في سياق فلسفة الحق. ورم أنها تشكل الوجود الثاني، الأصح للتعبير، للمجتمع المدني، فإن نصيبها من التحليل يكاد أن يكون عابراً، وهذا الخلل يرجع إلى هيغل نفسه.

