أنت هنا

قراءة كتاب ديمقراطية - عولمة وحروب

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
ديمقراطية - عولمة وحروب

ديمقراطية - عولمة وحروب

يحاول حسن خليل تقديم نفسه ماركسياً في مواجهة المفاهيم المتغيرة، لذا نراه يسعى إلى إعادة تحديد هذه المفاهيم، وتوصيف معاييرها الابستمية ضمن حراك الواقع السياسي - الاقتصادي عالمياً وفي العالم العربي، ولبنان، معيداً "للبراكسيس" لمعانه كأساس في الفكر الماركسي...

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 2

تمهيد

هل انتهى فعلاً عصر الثورات؟

سؤال يتبادر إلى الذهن مباشرةً بعد مشاهدة حجم المتغيرات التي طرأت على جميع القضايا والأمور التي شغلت العالم طيلة قرون من الزمن، أمور طبعت بطابعها المتقلّب شكل ومميزات ما كان يحدث: فمن ثورة سبارتاكوس وما قبلها إلى غيفارا وما بعده وما بينهما، تاريخ عنيف ومتغير وجميل من الرفض والانتفاض على مفاهيم الظلم والعبودية، من التوق إلى الحرية والتحرر، وأيضاً من الحلم بعالم آخر. واقع فرض طابعه وسلوكه على الجميع، غنّت له ملايين الحناجر وسالت لأجله دماءٌ غزيرةٌ، حمله الشباب أيقونة على صدورهم وأحلاماً في عقولهم، وهمّاً نضالياً مارسوه واقتنعوا به، وحافزاً محدداً لسلوكهم. واقع فرض طابعه بقوة المتغيرات التي أحدثها، شرقاً وغرباً، في الفكر والممارسة، للفقراء وغيرهم، لا تستطيع البشرية التغاضي عنه ولا المرور عليه بشكل عارض. واقع لم تستطع وقفة بوريس يلتسين على ظهر دبابة في وسط موسكو في مطلع تسعينيات القرن الماضي إلغاءه أو إلغاء حلم الاشتراكية الحقيقية والإنسانية، ولا ادعاءات الإدارات الأميركية المتلاحقة عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان التقليل من حضوره وتأثيراته، ولا الأساطيل الغربية ستستطيع اغتياله واغتيال روح الثورة و"التمرد" على الظلم. فلا غيفارا سيستقيل ولا حلم الثورة سينتهي؛ إنه الواقع وسنَّة الحياة والتاريخ والمنطق، فلا يمكن مواجهة الظلم والاحتلال بالورود، كما لا يمكن مواجهة الفقر والجوع بوضع الوسائد البالية على البطون الفارغة.
ما نودّ قوله في هذا الكتاب ليس سوى محاولة لاستكشاف ما آلت اليه حالة عالم ما بعد انهيار بعض المنظومات الضابطة سواء في الفكر أو الممارسة، أو شكل الحكم وانهيار القيم ومقولات الأخلاق وممارساتها في السياسة والاجتماع وغيرها، واستبدالها بلغة المصالح. محاولة لا تبتغي زيادة في الكلام أو التحليل بقصد التبرير أو الانتقاد، بل إنَّ ما نودّه هو من خلالها وضع الأمور في نصابها المنطقي المعاش، قراءتها، تحليلها ومن ثم التوصل إلى استنتاج العبر بقصد البناء. يمكن لهذه المحاولة أن تؤدي إلى نقاش مؤسس إذا ما استتبعت بأعمال أخرى، وبذلك تكون، ويكون ما يليها، قد شكل لنا بداية تلمس طريق واضح وجلي لإنضاج البديل المطلوب وبشكل ملحّ في هذه الأيام نظراً لخطورة ما يمر به عالمنا المعاصر.
"مفاهيم متغيرة في عالم متغير" هو بداية الكلام في هذا الكتاب، بداية هدفها إبراز الواقع المتغير باضطراد وفوضى، هدفها إبراز الواقع المأزوم بكليته وليس بأجزائه؛ فالمأزوم هو النظام العام المسيطر وليس بعضه، فإليه نتوجه مباشرة دون مواربة أو تهرب، وبذلك نكون قد بدأنا تلمّس الطريق المؤدية إلى فهم الواقع. واقع ترجمته مجموعة مفاهيم مشوّهة حاول اصحاب العالم الحر إيهام العالم بها من ديمقراطية تحت الطلب إلى حرية مزيفة وحقوق انسان أصبحت مادة للبيع على رصيف تجار السياسة والقيم؛ إنها، وبكل بساطة، المفاهيم و "الديمقراطيات القاتلة" بمضمونها وكيفية استخدامها والنتائج المترتبة عليها. حالة جهد من بيده ناصية السلطة والقرار ليتحكم ويستغل، ليس كل قضية، وإنما كل شيء بهدف تأبيد سيطرته. من الواقع المعاش وتداعياته إلى الواقع المفترض وآلياته المتوقعة سلسلة من مفاهيم وديمقراطيات اساسها الاستغلال، خطابها الخداع وحسب الطلب، هدفها السيطرة. لقد ضاعت معها كل امكانية أخلاقية واستبدلت بالحرب والقهر والخوف والفوضى. إنها ديمقراطياتهم وليست لنا، وما علينا إلا اثبات المثبت بحكم الواقع، فلا يجوز، بعد الآن، دفن الرؤوس في الرمال وكأن شيئاً لم يكن.
أمام تلك المعادلة برزت، وعلى امتداد القرنين الماضي والحاضر، سلوكيات من ادّعى تمثيل وقيادة العالم الحر على حد زعمه، سلوكيات امتدت وغطت مساحة العالم عابثةً بكل القيم ومطيحةً بكل الأخلاق في السياسة وغيرها؛ لقد غلفت حقيقة أهدافها بالشعارات الكبيرة، الكثيرة الكلام والقليلة الفعل، فمن وعود الحرية والديمقراطية والحياة السعيدة إلى الوجود العسكري والاحتلال المباشر ونهب الثروات، تاريخ أسود عابق بالمؤامرات والدسائس، بالخيانات والاغتيالات، بالقهر والذل لأنظمة تعرف تماماً كيفية امتلاك مثل تلك السلوكيات وامتهانها. تاريخ امتد على مساحة العالم من دون استثناء أو تمييز. ولعل الشرق الأوسط من الساحات التي تعكس حقيقة ما ابتلى به العالم على امتداد عهود "الحداثة" و"المعاصرة". ساحة شهدت تبدلات وتغيرات كبيرة وخطيرة في شكل السياسة والحكم والتحكم. هذا النموذج الشرق الأوسطي أردناه النموذج الحي والمتواصل لنبرز من خلاله كيفية استخدام القيم في لعبة المصالح من قبل الدول الكبيرة.
إنَّ ما يشهده العالم في الوقت الراهن من أزمات متعددة ومتنوعة على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية... ما هو الا نتيجة طبيعية لتراكم السلوك العام للنظام الحاكم والمتوارث. فكثرة الحروب وتنوعها ليست سوى إلا ترجمة لذهنية السيطرة بالقوة على مقدرات العالم ومحاولة سلبها لصالح مجموعات متحكمة. والأزمة الاقتصادية الحالية ما هي إلا امتداد طبيعي لسلوك وسياسة العالم المعولم بأوجهه كافة؛ فسياسة النهب الرأسمالي تستوجب، من حين لآخر، تغيير وتبديل نمط أو أنماط ممارساتها، وبذلك تتحول من ممارسة وسلوك شرس إلى آخر أشرس. فالفروقات بين أغنياء العالم وفقرائه كما بين شماله وجنوبه، ستزداد، وبشكل خطير، نتيجة لمثل تلك السياسات المتبعة. وإنَّ من حق الحكومات الأميركية المتعاقبة أن تحافظ على رفاهية شعبها من خلال عدم القبول بتغيير بعض السلوكيات المجتمعية والصناعية التي تؤدي إلى ارتفاع درجات حرارة الأرض، لكن تلك الرفاهية المؤقتة، وبكل تأكيد، ستنتفي عاجلاً أم آجلاً، وبالانتظار فإنَّ ملايين فقراء العالم يعانون، ليس من قلة الرفاهية وإنما من قلة الطعام والماء والخدمات والهواء النظيف... وأيضاً من كثرة الحروب. فإذا كان من يتحكم بالعالم لا يدري، فهذه مصيبة، لكنه، وبكل تأكيد، يدري ويعلم ويدرك ماذا يفعل. فهل تستحق تلك الرفاهية كل هذا الثمن؟ إنَّ الصمت عن عدم وجود جواب لمثل هذا السؤال هو المصيبة الأكبر.
إنَّ هذا الواقع المأزوم يستوجب، وبكل تأكيد، العمل من أجل إيجاد البديل المنطقي والمعقول. ولم يعد مسموحاً بعد الآن أن يبقى الواقع على ما هو عليه. فالعالم ليس ملكاً لأحد، إنه لمن يعيشون عليه، الذين لهم الحق في حياة كريمة خالية من الظلم والاستغلال، خالية من الحروب، من الفقر، من السلاح النووي، من التسلط، ومن امتهان الكرامات... عالم أفضل يستحق إرادة التغيير وممارستها. إنَّ ابراز الحالة الراهنة بهذه الطريقة ليس بهدف الإحباط وإنما لإظهار مخاطر ما نعيش وواقع هذه المخاطر. إنها دعوة لإعادة تشكيل البديل الإنساني المنحاز إلى أكثرية اجتماعية لا تمتلك حالياً حق العيش الكريم. دعوة لإعادة الاعتبار إلى الصراع الاجتماعي القائم على القضية وليس المصلحة. من هنا، فإنَّ ما نود مناقشته ليس فقط القضايا المطروحة في اللاحق من أمور في هذا الكتاب، وإنما الواقع المعاش بكل تفصيلاته. إنَّ القضايا المطروحة في هذا الكتاب ما هي إلا نماذج يمكن أن تكون أكثر، وهي بالفعل كذلك، تستوجب منا النقاش والتحليل وإعادة التركيب واستخلاص العبر.
إنها دعوة للنقاش والتفكير والنقد، كما هي، أيضاً، دعوة للفعل والعمل والنضال من أجل القيم والأفكار التي ناضل واستشهد من أجلها ملايين الناس على امتداد الحياة الإنسانية. دعوة لإعادة الاعتبار للهمّ الاجتماعي وكيفية تحويله إلى فعل يومي يأخذ بالاعتبار حجم المتغيرات الحاصلة وشكلها ونوعها، ويستشرف أشكال الحلول، أو أقله اتجاهاتها. لم يعد هناك متسع كبير امامنا، فلما الانتظار؟
في 24 أيلول 2009 د. حسن خليل
 

الصفحات