أنت هنا

قراءة كتاب ديمقراطية - عولمة وحروب

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
ديمقراطية - عولمة وحروب

ديمقراطية - عولمة وحروب

يحاول حسن خليل تقديم نفسه ماركسياً في مواجهة المفاهيم المتغيرة، لذا نراه يسعى إلى إعادة تحديد هذه المفاهيم، وتوصيف معاييرها الابستمية ضمن حراك الواقع السياسي - الاقتصادي عالمياً وفي العالم العربي، ولبنان، معيداً "للبراكسيس" لمعانه كأساس في الفكر الماركسي...

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 3

الفصل الأول

مفاهيم متغيرة في عالم متغير

عندما انهار جدار برلين سنة 1989 ساد الاعتقاد بأن عهداً جديداً قد بدأ بالتبلور، وعندما انهار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 اعتقد بعضهم أنَّ هذا العهد قد بدأ فعلاً. وعليه بدأت القوة المنتصرة والمقصود بها الولايات المتحدة الأميركية إعادة صياغة العالم بحسب مفهومها ووفق مصالحها مستفيدة من تلك الحالة. لقد ساد الاعتقاد بأن عصر السياسات والأيديولوجيات الكبرى قد انتهى، وعليه يجب صياغة مفاهيم جديدة تتطابق مع الواقع المتغير. بعد ذلك بدأ عهد ما بعد الانهيارات، ابتداؤه كان بالتخلص من إرث السوفيات ومن بقايا ثورات القرن العشرين، أما تجلياته فكانت من خلال إشاعة مفاهيم "العالم الحر" على حد تعبير أصحابه، من سلام وديمقراطية وحرية، فتسابقت الدول والقوى للنهل منها معتقدة أنها حقيقة وضرورة تاريخية حان أوانها، أو لطلب الغفران عن موقعهم السابق معتقدين بذلك أنه يمكنهم حجز مكان لهم في تشكيل العالم الجديد الذي كان قد بدأ طور التبلور.
"مفاهيم متغيرة في عالم متغير" هي جملة للمفكر ليوتارد (1)، مُطلق مفهوم "ما بعد الحداثة" في كتابه الشهير "ظروف ما بعد الحداثة" عام 1979؛ جملة يمكن استخدامها لتبيان الواقع المعاش في مرحلة ما بعد الانهيارات، ولمناقشة الخصائص المرافقة، والتي بأكثريتها مفاهيم وقيم سابقة على تلك الفترة، لكن أُعيدت صياغتها بشكل يتكامل مع المستجدات الفكرية والثقافية والسياسية ويتماشى معها. من هنا، ومتابعة لما قلناه، فإنَّ ما نودّ مناقشته هو أزمة الفكر العالمي التي استجدت: فإذا كان اليسار أول من تضرر من الانهيارات لأنها كانت في معسكره فإن البديل الذي نعتقد أنه انتصر أيضاً مأزوم في بديله وفي تركيبته ومنظومته الفكرية وكيفية ترتيب الحالة العامة المواكبة واللاحقة لفترة ما بعد انتهاء الحرب الباردة. إذن سنتناول أزمَتَيْ اليسار والرأسمالية مع مناقشة الظواهر المرافقة ومحاولة التفكير في اتجاهات الحلول. ما نودّه هنا إجادة بعض المقاربات لتحفيز نقاشها؛ فالقضايا المطروحة لا تطال، فقط، أموراً نظرية بل تتعداها إلى الواقع، لأن انعكاس ما جرى قد طبع بطابعه الفترة الممتدة من بداية تسعينيات القرن الماضي حتى يومنا هذا. نقاش لا نريده محصوراً لا بفترة زمنية بعينها ولا بواقع سياسي محدد، نريده شاملاً وعاماً.
من هذا المنطلق نودّ الاشارة إلى مستوى الأزمة التي واكبت انطلاقة الواقع الجديد. أزمة أخذت طابعي النظرية والتطبيق وانعكاساً النتائج. فلا اليسار استوعب ما جرى ولا النقيض استفاد. فأزمة اليسار تُرجمت بعدة سلوكيات، أكثريتها لجأت إلى ردات الفعل المباشرة: من التبرؤ من الذي كان إلى الرفض المطلق للواقع من موقع الرافض وغير المصدق. بالنتيجة اتجهت القوى اليسارية أو بعضها إلى التغيير السريع وغير المدروس في بناها الفكرية وممارساتها السياسية. الاتجاه الوسطي كان أكثر المواقع جذباً لذلك تمّ اللجوء إليه، فانتشرت بسرعة فائقة فكرة "اليسار الديمقراطي"، وللتذكير فقط ليس فيه لا يسار ولا ديمقراطية، في السلوك والفكر والممارسة. قسم آخر تمسك بما كان سائداً، رافضاً ما جرى، حافظ على بناه بطريقة أكثر تشدداً. اتجه إلى الراديكالية في الطرح، وانتشرت معه أو حوله المنظمات والحركات "المتطرفة"، ومنها من ارتبط أو ناضل تحت اسم وشعار رفض العولمة فسمّوا أنفسهم "مناهضو العولمة". ويساريون آخرون قبلوا بما جرى واستوعبوا الأحداث، دعوا إلى التجديد في الفكر والممارسة، يحاولون ايجاد المساحة اللازمة لإبراز التمايز. هؤلاء وقعوا في فخ النظام العالمي المُستجد مع إعلامه الذي جهد لإبراز "اليسارَيْن السابقين" بتطرفهما المتناقض. لهذا الأخير نتوجه في هذا النص لنفكر سوية بالحلول المناسبة.
على الضفة المقابلة: ما تميز به النظام العالمي الجديد هو كثرة الحروب والفقر والبطالة؛ لقد افتتح عهده بالحرب على العراق سنة 1991، وبإطلاق مفاوضات سلام في الشرق الأوسط في ظل اختلال موازين القوى لصالح قوى الاحتلال فحوّلها إلى مفاوضات استسلام. اندلاع الحروب الطائفية والمذهبية والعرقية واستعارها في وسط أوروبا، يوغسلافيا، في القوقاز، في افريقيا، في وسط آسيا، بالإضافة إلى تطويع بقية المناطق في العالم من خلال الوجود العسكري المباشر... هذا ما أنتجه ولم ينته أو يكتمل بعد.
من هذا الواقع، إذن، سنحاول المقاربة، ومن ضفتي الصراع والتناقض سنقارب الأمور، نناقشها، نحللها على أمل اكتشاف بعض اتجاهات الحلول المطلوبة:

الصفحات