يحاول حسن خليل تقديم نفسه ماركسياً في مواجهة المفاهيم المتغيرة، لذا نراه يسعى إلى إعادة تحديد هذه المفاهيم، وتوصيف معاييرها الابستمية ضمن حراك الواقع السياسي - الاقتصادي عالمياً وفي العالم العربي، ولبنان، معيداً "للبراكسيس" لمعانه كأساس في الفكر الماركسي...
أنت هنا
قراءة كتاب ديمقراطية - عولمة وحروب
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
في الواقع السياسي-الفكري وتطوره
إنَّ أحداثاً كبيرة وهامة كانهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية السابقة قد أسهمت وبشكل حاسم في أزمة اليسار. فهذا الانهيار قد أدى بحسب بعض اليساريين إلى انهيار للمنظومة الفكرية والأيديولوجية التي على أساسها قامت الفكرة وكان التطبيق، وأيضاً بحسب منظري من هم في الموقع النقيض المقابل الذين بشروا بنهاية التاريخ وبانتهاء الصراع الأيديولوجي وإعلان الانتصار الحاسم والتاريخي للفكر الرأسمالي كحالة أبدية بحكم إنسانيتها وحيويتها ودفاعها عن القيم الإنسانية على ما يدعون. إنَّ هذا الانهيار، برأينا، قد شكل حدثاً لا يمكن التغاضي عنه، وهو أساسي ومحوري عند مناقشة أي مقولة أو حالة تخص الأزمة الحالية. ولكننا، بعيداً عن موقع الدفاع أو التبرئة والتبرير، سنحاول إرجاع سبب الانهيارات، خاصة في المنظومة الفكرية للاشتراكية واليسار بشكل عام إلى ما قبل هذا التاريخ، أي إلى التاريخ الذي كان خلاله بعض "متسولي اليسارية والاشتراكية" -المنظرين للأزمة الحالية- يحمّلون النموذج الساقط المسؤولية ويعفون أنفسهم منها. هؤلاء أنفسهم كانوا يراهنون على العكس، أي على انهيار الرأسمالية ودائماً حجتهم كانت التحليل الماركسي القائم على المادية التاريخية القائلة بحتمية الصراع الطبقي وانتصار الاشتراكية بحكم الواقع والتطور التاريخي ونضال الطبقة العاملة التي ادعت بعض النخب السياسية تمثيلها والنطق باسمها.
إذن، وبالعودة إلى ذلك التاريخ "المميز" لمنظّري الانتصار الحتمي والتاريخي، ذلك التاريخ الذي نقصده هو نهاية ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، يوم كان الاتحاد السوفياتي "العظيم" يحقق "الانتصارات"؛ وهنا يمكن التوقف عند عدة تواريخ شكلت بداية انعطاف حاد في مسار الصراع التقليدي بشكل عام، وبداية انحراف في منظومة الفكر السائد خلال القرنين الماضيين اللذين تميزا بحتمية الصراع "الأخلاقي" بين منطق العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات والمساواة، ومنطق الاستئثار والحروب ورأس المال. هذا الانحراف لم يحدث لأن مفاعيله قد انتفت بانتفاء الحاجة والحجة، بل بالعكس لأنَّ الحاجة إلى تلك الأمور، وذلك المنطق هي أكثر ضرورة، وخاصة في ظل السيطرة الحاسمة والعامة لرأس المال المتفلت أصلاً من كل ضوابطه وكل "أخلاق"، بالإضافة إلى الفضاء والحدود المفتوحة ولو بشكل أحادي، أي دائماً في اتجاه سلب الطبقات الفقيرة، ليس فقط ما تملكه من أمور مادية وإنما تعدى ذلك إلى سلب أفرادها أحلامهم في إحداث التغيير ولو لحياة تعادل "الأنسنة". لقد شهدت نهاية السبعينيات عدة تحولات سياسية أثرت، وبشكل كبير، على تطور الأحداث اللاحقة، كما أثرت، وبشكل أساسي، على مستقبل الصراع الذي كان دائراً في ذلك الوقت، وأبرز تجلياته الحرب الباردة. إنَّ انتصار الثورة في إيران ودخول السوفيات إلى أفغانستان ووصول يوحنا بولس الثاني بابا لروما، وحركة التضامن في بولونيا، وتحريك ملف حقوق الإنسان في المعسكر الاشتراكي، وتوقيع اتفاقيات كمب دايفيد بين مصر وإسرائيل... وغيرها من الأحداث مع ما رافقها من حروب وأبرزها الحرب الإيرانية العراقية، وبعض الحروب التي غلب عليها الطابع الديني والعرقي والمذهبي، قد طبعت ذلك الوقت بطابع الانتقال من مرحلة الصراع الأيديولوجي والفكري، وأحياناً الطبقي، إلى حقل صراع آخر تجلى بمجموعة سلوكيات أسست إلى مرحلة لاحقة أنتجت انهيار الاتحاد السوفياتي ومنظومته الاشتراكية وأنتجت، فيما بعد، مصطلحاً جديداً على القاموس السياسي الحالي، وهو النظام العالمي الجديد مترافقاً مع "الحرب ضد الإرهاب" المعلنة بقيادة الولايات المتحدة الأميركية. إنَّ تأثير تلك الأحداث لا يبدو في الشكل، عاملاً محدداً ومؤثراً على مجريات تطور الأحداث، ولكن إذا دققنا أكثر في طبيعة تلك الوقائع وامتداداتها وما رافقها من خطاب سياسي مستجد نرى خطورة ما جرى وما يجري.
إنَّ الخطاب السياسي الذي رافق تلك الفترة قد أسس لمفهوم جديد أضفى على الحياة السياسية مفردات جديدة وواقعاً غريباً بعض الشيء عن السياق الطبيعي لتطور الأمور. ألم يتحدث الرئيس الأميركي الراحل ريغان عن "امبراطورية الشر" المتجسدة بالاتحاد السوفياتي وحلفائه؟ ألم يتكلم الأميركيون والعرب "المعتدلون" وغيرهم عن "الحرب المقدسة" ضد الالحاد الشيوعي في أفغانستان وأرسلوا المتطوعين للجهاد في سبيل الله؟ ألم تتحدث الثورة الايرانية عن ولاية الفقيه وعن الشيطان الأكبر عند وصف أميركا والشر المطلق عن اسرائيل؟ ألم يتحدث بابا روما عن ضرورة الخلاص من أنظمة الكفر والابتعاد عن الله في أوروبا الشرقية وعمل على إثارة القلائل ليحرر تلك المنطقة من الفكر الالحادي ويعيدها إلى كنف الله؟ ألم يصبح خطاب الممانعة والتناقض الأيديولوجي خطاباً تصالحياً بعد توقيع كمب داي؟يد، ويصبح بموجبه العرب عربين: الاعتدال والصمود والتصدي...؟ ولكن لماذا استجدت هذه المصطلحات والمفردات وبهذه الطريقة في الخطاب السياسي؟ لماذا لم تلق الاهتمام والدراسة خصوصاً من قبل المفكرين اليساريين والماركسيين؟ ألم يلفت نظرهم هذا التراكم في كم ونوع الأحداث التي جرت وأدت إلى تلك المتغيرات. أتراهم كانوا غافلين عما جرى؟ هذا الأمر سنعود اليه مفصلاً في الآتي من الكلام.
إنَّ بروز تلك العوامل في الخطاب السياسي-الفكري قد أضفت حالة جديدة تم بموجبها اختتام مرحلة الصراع الطبقي-الأيديولوجي التي طبعت نضال أكثر من قرنين من الزمن، وافتتحت عصراً جديداً قائماً على مفردات تمّت استعارتها من قواميس كان قد فاتها الزمن، وتواكبت مع سياسة الانفتاح الاقتصادي والمعولم. لم تحظ تلك المرحلة بدراسة معمقة لمجريات هذا التبدل الذي حصل، وإنما كان منطق الحرب الباردة هو من غلب عليها مما اتاح للرأسمالية اختيار عدة العمل الجديدة لاستعمالها فيما بعد. إنَّ غياب التحليل والنظرة اليسارية عن أحداث تلك المرحلة كان له الأثر السلبي الكبير على كل ما تلاها من تطورات، ويمكن القول أنَّه لو تمّ التنبه لما كان يجري لما كنا وصلنا إلى ما وصلنا اليه لاحقاً. إنَّ ما يميز الفكر اليساري-الاشتراكي هو المنهج العلمي القائم على التحليل والتبسيط والتركيب وإعادة الإنتاج، وهذا ما جعل منه أداة فاعلة للتغيير في كل المجتمعات، وجعله ملهماً لكل حركات التحرر الوطني، وبديلاً لكل النظم الظالمة والمستبدة. ولكن بالمقارنة البسيطة نرى الرأسمالية تنجح دائماً في إعادة انتاج ذاتها من دون مشاكل، لا بل يمكن القول، تستطيع أن تحمِّل الطرف المقابل لها نتائج فشلها ومشاكلها وإعادة تكوين آلياتها بشكل مرن يراعي دائماً التحولات والتبدلات على مختلف الصعد وفي مطلق الأحوال والظروف.
إنَّ غياب العمل التحديثي وأحياناً الاستقرائي في الفكر الاشتراكي قد جعل من ذلك الفكر اطاراً جامداً ثابتاً يدخل في أدبيات محددة ومقوننة، وأحياناً مقدساً إن لم نقل الجمود ولا ندري لماذا! نخشى أن يكون ذلك انتفاءً للبديل أو عدم تبلور فكر آخر. لقد نجحت الرأسمالية في إعادة انتاج نفسها بشكل أكثر خطورة وتوحشاً، وقد تجلى ذلك في الأحداث اللاحقة، ولم تنجح الاشتراكية في حماية نفسها من الانهيار؛ نقول ذلك وبكل مسؤولية في التحّمل والتقصير، ولكن ذلك ممكن الحدوث وقد حدث، ولكن أليس من المنطقي الآن، وبعد الذي جرى أن يُعاد انتاج ذلك الفكر الإنساني -الاشتراكي- الحالم بعالم أفضل والمنادي بالعدالة الاجتماعية والمساواة، بطريقة مختلفة عما سبق حيث يستفاد من الماضي بانتصاراته وهزائمه ويؤسس على أنقاض الانهيار محاولة انتاج بناء جديد قائم على مفهوم آخر ورؤية أخرى تأخذ بعين الاعتبار مجريات تطور الصراع، وتغّير من طبيعة القوى المتصارعة وآليات السيطرة والتحكم. ألم يحن الوقت لإعادة ذلك الفكر المتفاعل في أصله ومكوناته إلى مكانه في رسم منطق وأسس حياة فكرية تعيد الصراع إلى طبيعته الأصلية بعد الانحراف الذي أصابه، وهذه الاعاقة المستمرة لخط التمايز والاختلاف: برأينا أنه نعم. لذلك يجب المحاولة وتكرارها بهدف تجديدها والانطلاق بها نحو مستقبل زاهر وليس للاقامة في داخل أزمتها.


