كتاب " حيونة الإنسان " ، تأليف ممدوح عدوان ، والذي صدر عن دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع عام 2007 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
قراءة كتاب حيونة الإنسان
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
إذا كان بعض الواقعين تحت التعذيب يريدون كتم المعلومات أو الصمود ببطولة، فإن كثيرين آخرين لا يستطيعون الصمود فيقدمون اعترافاتهم. ومهما بعدت المسافة بين الصامدين والمستسلمين فإنها لا تكون كبيرة، لأن للجسم البشري حدودًا لاحتمال الألم. وأول دفاع غريزي يقوم به هذا الجسد هو الإغماء، لكي ينعدم الإحساس بالألم، ونهايته الموت طبعًا، وللجلادين أساليبهم في إيقاظ هذا الإحساس، مثلما أن لهم أساليب متقنة لتجنب موت الضحية.
وهناك من يقعون تحت التعذيب وهم أبرياء وجاهلون بما يحقق الجلاد فيه. وهؤلاء يكتمون المعلومة ببساطة، لأنهم لا يعرفونها، مثلما أن هناك من يستمر في التعذيب وهو لم يعد يريد معلومات، يريد أن يذل الطرف الآخر أو أن يتسلى.
وسواء خرج ضحايا التعذيب أصحاء أم مشوهين جسديًا، سنحاول معرفة: ما الذي يحدثه هذا التعذيب فيهم من الداخل؟.
ولا ننسى أيضًا أن الجلاد (الذي يمارس التعذيب) ليس هو، في كثير من الأحوال من يطرح الأسئلة، إنه يقوم بالتعذيب فقط، وعند وصول الضحية إلى الاستسلام يتم أخذ هذا الضحية إلى حيث تدلي باعترافاتها أمام المسؤول المعني، الذي ربما حضر "حفلات" التعذيب، وربما لم يحضرها.
ولكن كيف يقوم الجلاد بعمله؟ ولماذا؟ وبماذا ينعكس عليه؟.
في محاضرة ر. د. لينغ بعنوان ‹الواضح›، وهي المنشورة في كتاب ‹ديالكتيك التحرر›، بالإنكليزية، يشرح لنا لينغ التجربة التي قام بها الدكتور ستانلي ملغرام في جامعة ييل الأمريكية (وهي ذاتها التجربة التي قدمها فيلم ‹أنا المقصود بإيكاروس/ I For Icarus › من إخراج هنري فرنويل وتمثيل النجم الشهير إيف مونتان).
تجري التجربة على البشر بهدف الوصول إلى جواب عن السؤال التالي: إلى أي مدى يمكن أن يصل الإنسان في إيقاعه الأذى بإنسان آخر، أو تسبيب الألم له، وهو الذي لا تربطه به أي رابطة سلبية أو إيجابية (وحتى معرفة مسبقة أو حب أو حقد أو مصلحة)؟.
ويكون الجواب، في الفيلم، أن أكثر من (60%)من سكان الولايات المتحدة الأمريكية يصلون إلى أقصى الحدود المفترضة (القتل)، «طالما أن هناك سلطة يحترمونها أو يخافونها، وهي التي توجه إليهم الأمر»؛ ومن ثم تتحمل المسؤولية القانونية أو الأخلاقية.
وقد بلغ المقدار عند الدكتور ملغرام (26) من أصل (40) أي بمقدار (65%). ويعلق بطل الفيلم إيف مونتان قائلاً: «إذًا فإن ثلثي السكان في مجتمعنا المتحضر الذي يدعي الديموقراطية مستعدون لتنفيذ أي أمر مهما كان شنيعًا».
وقبل أن يحاول أحد أن يتخلص من عبء هذه النتيجة المخيفة، بالقول، كما جرت العادة، إن هذه هي أمراض المجتمع الرأسمالي، أسارع إلى القول إن المقدار قد يكون عندنا وعند غيرنا أعلى مما هو عليه في الولايات المتحدة، وسنتحقق من ذلك عند متابعة منطق التجربة.
يسوغ أحد النماذج، ممن أجريت عليهم الاختبارات، عند سؤاله عما إذا كان يحق له أن يوقع ذلك الأذى بالطرف الآخر بقوله: "مسألة يجوز أو لا يجوز، هذه، متعلقة بالهيئة التي أصدرت الأمر. إن الطيار الذي يتلقى أمرًا بقصف قرية لا يسأل عما إذا كان عمله هذا جيدًا أم سيئًا. هذا ليس من شأنه، عليه، فقط، أن ينفذ الأوامر".
ويشرح الدكتور المشرف على التجربة، في الفيلم، كيفية حدوث المجازر الجماعية. السؤال هو: "كيف يستطيع الديكتاتور توفير العناصر اللازمة لتنفيذ مجزرة جماعية"؟، والجواب: بتوزيع المهمات والمسؤوليات، هناك من يقومون بعمليات الاعتقال، وآخرون بالتجميع، وغيرهم بنقل المعتقلين بالسيارات، وغيرهم أيضًا بحراسة معسكرات الاعتقال. وكل منهم لا يحس أنه ينفذ مجزرة، بل إنه ينفذ أمرًا محددًا صدر إليه ويتعلق بتفصيل يمكن عده منفصلاً عن المجزرة، ثم تأتي عمليات القتل النهائية والتي تقتضي وجود بعض العتاة الذين لا يصعب العثور عليهم أو تدريبهم وإعدادهم لكي يصيروا ملائمين لهذه المهمة، (وسنرى لاحقًا كيف يتم إعدادهم).
إن توزيع المسؤوليات، هذا، والذي يهدف إلى تخفيف نصيب كل شخص أو طرف من العبء الناجم عن مسؤولية عمليات التقتيل الجماعي، لا يلغي أن كل طرف قد قرر، بينه وبين نفسه على الأقل، التغاضي عما سيفعله الآخرون لإعفاء النفس من المسؤولية (أمام الذات والآخرين).
وهذا التوزيع في المسؤوليات قد رأيناه ينفذ في مجزرة صبرا وشاتيلا المعروفة(1) بين(16 و 18 أيلول/ سبتمبر 1982 م). فمن متابعة الأقوال والتصريحات بعد اكتشاف الأمر تبين أن المجزرة التي استفرد فيها مسلحون صهاينة وكتائبيون بأهالي المخيمين العزل طوال (36) ساعة قد تم الإعداد لها وتنفيذها على النحو التالي:
* إجبار المسلحين الفلسطينيين على الانسحاب من بيروت والمخيمات من أجل أمن إسرائيل (كهدف معلن للغزو الذي تم منذ أول شهر حزيران حتى منتصف شهر أيلول من عام (1982 م) وعرف باسم "اجتياح بيروت")، مقابل تعهد دول عظمى، بينها، وعلى رأسها، الولايات المتحدة الأمريكية، بحماية المدنيين العزل في بيروت والمخيمات.
* مقتل بشير الجميل الذي حاولت إسرائيل فرضه رئيسًا للجمهورية اللبنانية في ظل الاحتلال الإسرائيلي.
* الجيش الإسرائيلي يدخل بيروت الغربية "لمنع الكتائب من القيام بعمليات انتقامية" كما أعلن المسؤولون الإسرائيليون. وكان هذا يعني حرفيًا حماية المدنيين الفلسطينيين والمسلمين العزل في بيروت الغربية من انتقام الكتائب.
* تطويق المخيمين (صبرا وشاتيلا) من قبل القوات الإسرائيلية.
* السماح لمسلحي الكتائب بالدخول إلى المخيمين بذريعة "البحث عن الفدائيين الفلسطينيين الذين خلفتهم منظمة التحرير وراءها"، ولا ننسى طبعًا أن الكتائب كانت في حينها طرفًا في حرب أهلية ضارية استمرت منذ عام (1975 م) (أي منذ سبع سنوات).
* الجنود الإسرائيليون لم يفعلوا شيئًا، حسب تصريحات قادتهم، إلا منع خروج أحد من المخيمين ومنع دخول أحد إليهما بعد دخول مسلحي الكتائب.
* المساعدة الإضافية الوحيدة التي قدمتها القوات الإسرائيلية، كما صرح قادتها، هي إلقاء القنابل المضيئة ليلاً على المخيمين.
وهكذا استفرد مسلحون حاقدون ومطلقو الصلاحية مدة ست وثلاثين ساعة بآلاف الناس العزل.
وسنكتفي بشهادة لطبيبة فرنسية أدلت بأقوالها لصحيفة "صدى المعركة" ونشرت في العدد (161) تاريخ (26 أكتوبر/تشرين الأول 1982 م). تقول الطبيبة: "كانوا يدفنونهم أحياء، كانوا يربطون الفتى بسيارتين تسيران في اتجاهين مختلفين، كانوا يقتطعون من اللحم البشري بالسكين، ويضعون اللحم المدمى في فم صاحبه، اغتصبوا وهتكوا، قطعوا الأيدي، خنقوا وشنقوا، أحرقوا بشرًا أحياء، تراهنوا على من يقتل أكثر في دقائق محددة، والخاسر كان يجرب حظه في مباريات جديدة".
وقد استطاعت التحقيقات أن توضح دورًا أكبر للإسرائيليين، ولقائدهم شارون، في تلك المجزرة، وهذا ما دعا إلى إقامة الدعوى على شارون في بلجيكا. وحين أحس الإسرائيليون أن إيلي حبيقة (قائد القوات التي اقتحمت المخيمين) يستعد للإدلاء بالمعلومات التي لديه، قاموا بقتله.
بين الضرب في الزنزانة واللهو بالتقتيل سيكون مجال بحثنا في هذا اللون من العنف البشري وتأثيراته على الطرفين: من يمارس التعذيب والتقتيل ومن يُمارَس عليه.


