قراءة كتاب حيونة الإنسان

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
حيونة الإنسان

حيونة الإنسان

كتاب " حيونة الإنسان " ، تأليف ممدوح عدوان ، والذي صدر عن دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع عام 2007 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 9

/4/هل نحن جلادون

يشير كتاب ‹التعذيب عبر العصور› بحذر إلى استمتاعنا جميعًا برؤية مشاهد العنف والقسوة في السينما والتلفزيون والأدب. وهناك الجلاد الذي يعذب ضحاياه وهو لم يعد يريد معلومات أو اعترافات، يعذب ليستمتع.

وهناك تجارة "فنية" واسعة تقوم على تسويق أفلام تحتوي على نحو أساس على التعذيب. وسنكتفي هنا بالإشارة إلى آخر ما توصلت إليه هذه التجارة التي تقوم أصلاً لإرضاء أذواق مستهلكيها، وهي تجارة الأفلام المهربة، وهذه أفلام لا يمكن لأي سلطة مهما كانت بدائية أو متحضرة أن تسمح بعرضها على جمهورها، أي لا يمكن لها أن تتحمل مسؤولية الاعتراف بأن الناس، لديها، يستمتعون بهذه الوحشية. ولكن بالمقدار ذاته لم تستطع أي سلطة منع تهريبها، ولهذا تظل التجارة قائمة، وتُرصد لها الملايين لكي تجنى منها الأرباح بالمليارات. ما يعني استمرار وجود من "يستهلكونها"، أي يستمتعون بها.

آخر ما توصلت إليه هذه التجارة، وتقوم صناعتها في الولايات المتحدة وكندا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا، وتسوّق إلى كل مكان في العالم وحتى في البلدان التي تصنّعها، وقيام عصابات بسرقة أطفال وبالغين من الجنسين، من أمريكا اللاتينية تحديدًا (حيث الجوع والمرض والفقر تجعل الأهل راغبين في التخلص من أبنائهم لكي لا يموتوا جوعًا بين أيديهم(3) فيبيعونهم أو يطردونهم أو لا يسألون عنهم حين يختفون)، والتعاقد مع فتيات فقيرات بأعمار مختلفة،كبغايا وفنانات، ثم يجلب هؤلاء الأطفال والفتيات إلى الإستوديوهات لتصوير أفلام الجنس والشذوذ والعنف والتعذيب. وفي هذه الأفلام خاصية تجعلها تختلف عن غيرها من الأفلام المعروفة. وهي أنه ليس فيها أي خدعة سينمائية. في هذه الأفلام يمارس الجنس فعلاً مع الأطفال الرضع وتعلق الفتيات من أثدائهن فعلاً ويتم جلدهن بالسياط وتقطيعهن بالبلطات أمام الكاميرات.. ثم تختفي الجثث. وتسوّق الأفلام.

ما الذي يطيعه فاعل هذه الأفعال؟، الجشع وحب المال؟، ربما، ولكن

ما الشيء الذي يشبعه الطرف الآخر (المستهلك) الذي قامت هذه التجارة الشنيعة على تلبية رغباته؟، وإلى أي مدى نجرؤ على الاعتراف بأننا نحن أيضًا صرنا نشاهد هذه الأفلام أو ما يشبهها ونستمتع بها، ولو تحت قناع الفضول؟.

ولنعد قليلاً إلى الوراء.

في كتاب ‹التعذيب عبر العصور› يأتي هذا التلخيص:

«مع أن الإنسان المعاصر قد فاق الرومان في ما يتعلق بالقسوة المجردة إلا أنه حتى رجال السينما في هوليوود وشينيشتيا لم يستطيعوا الاقتراب من عظمة الحفلات الخيالية التي أغرقت الإمبراطورية الرومانية ذات يوم بالدماء. وكما بدأت أفلامنا الصامتة بدأت الألعاب الرومانية ببساطة... كانت الألعاب في البدايات تحتوي على مباريات رياضية وسباقات بالعربات على شرف الآلهة، ومع تزايد شعبية هذه السباقات صار التنافس فيها أشد وصارت خطورتها أكبر. ولم يمر وقت طويل حتى كان الناس قد بدؤوا يستمتعون بمشاهدة حوادث الموت العنيفة بمقدار ما يستمتعون بالسباقات ذاتها... ثم بدأت مبارزات المصارعين، وهذه أيضًا بدأت على مستوى بسيط ومصغر، ولكنها، مثل السباقات، ازدادت شعبيتها "كرياضة ووسيلة ترفيه". ومع الأيام تحولت إلى تجارة رابحة. فبما أن المصارعين كانوا عبيدًا ليس إلا فإن استبدالهم كان سهلاً. وفي كل مرة ينتهي فيها العرض إلى مقتل المشاركين الذين هم أقل مهارة، كان المتفرجون المتعطشون للدماء يحصلون على متعة لا تعوض. وفي النهاية بدأ السياسيون يُخضعون هذه الألعاب لتكاليف باهظة من أجل كسب ود المواطنين. ومع الأيام لم يعد التنافس الفعلي في الميدان أو في الحلبة؛ بل بين مقدمي العروض أنفسهم. وصارت المعركة حول من يستطيع تقديم المشاهد الأكثر وحشية والأكثر دموية ". وعند تنفيذ عقوبات الإعدام " كلما كان التنفيذ أكثر دموية وكان الموت أكثر إبطاء ازدادت متعة المتفرجين». ويخلص الكتاب إلى القول: «إن هذه المشاهد كانت تعني للمتفرج في حينها ما يعنيه التلفزيون لمتفرجنا المعاصر. ويكفي أن نتذكر هنا أن أبشع تعذيب أوقعته روما في تاريخها كان ضد المسيحيين الأوائل. كانت النتيجة بعد ذلك التعذيب كله أن روما أصبحت عاصمة المسيحيين في العالم. ولكن روح روما لم تتبدد؛ بل تسرب شيء منها إلى عقلية المسيحيين أنفسهم. وباسم الدفاع عن الدين المسيحي الداعي إلى المحبة والتسامح مارس رجال الدين المسيحي عمليات تعذيب لا تقل قسوة ووحشية أيام محاكم التفتيش». ونضيف تذكيرًا بالدور الذي لعبته البعثات التبشيرية في تغطية مجازر الأوربيين في العالم الثالث (المستكشَف).

وعلينا، عند دراسة هذه المسألة، أن نتجنب التبسيطية العقائدية كأن نقول إن الأمريكيين يحبون العنف لأنهم يعيشون في مجتمع رأسمالي، فهذا وحده لا يقدم تفسيرًا كافيًا، ونحن نعرف أن التعذيب قد مورس أيام ستالين كما مورس أيام هتلر، وأن شعوب الأرض كلها مارست تجارة الرقيق والاستعباد.

علينا أن نبحث في أنفسنا أكثر، وعلى أحدنا أن ينتبه إلى احتشاد أبناء مجتمعه لرؤية فيلم سينمائي من تلك الأفلام القاسية والقائمة على العنف والدم والوحشية. وعبارة "للبالغين فقط"، أو "للكبار فقط" تعني أن الفيلم يحتوي على مشاهد جنسية أو مشاهد دموية. إن كلاً من هؤلاء الموجودين في الحشد المقبل للفرجة يتجاهل السبب الذي يدفعه للدخول. ثم يتغاضى عن أنه يعرف السبب الذي يدفع الآخرين ضمن تواطؤ اجتماعي عام، إنه شيء نفعله جميعًا، ونرى أنه ممتع مع قذارته. ولذا لا داعي للبحث فيه، شيء شبيه بالعلاقة الجنسية بين الأزواج. نتجاهلها جميعًا لأنها أمر طبيعي. ولكننا نعرف أن استمتاعنا بالعنف شيء مخجل وقذر. مع أننا نفعله جميعًا. واحتشادنا لرؤية هذه الأفلام شبيه بوقوفنا للدخول إلى المراحيض العامة، وفي ظلام دور السينما نسترخي من دون رقابة لنمارس هذه السادية السرية بارتياح. ويزيد من هذا الارتياح وجود الآخرين، فهم يجعلوننا نحس بأننا لسنا شواذ. نحن مثل الآخرين. ووجودنا مع الآخرين يلغي إحساسنا بالمسؤولية الشخصية.

الصفحات