كتاب " حيونة الإنسان " ، تأليف ممدوح عدوان ، والذي صدر عن دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع عام 2007 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
قراءة كتاب حيونة الإنسان
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
/3/ورطة الإنسان الأعزل
النتيجة التي يصل إليها الدكتور ملغرام في دراسته لاستعدادات الإنسان "لإيقاع الأذى بأخيه الإنسان" هي أنه يعتمد على تجيير المسؤولية نحو "السلطة التي تعطي الأوامر". ولكن تحديد هذه المسألة بمجرد "بإطاعة الأوامر لأنها صادرة عن سلطة مرهوبة أو محترمة" لا يكفي لتغطية مسوغات الأفعال التي حدثت في مجزرة مثل صبرا وشاتيلا (أو غيرها من المجازر المعروفة في التاريخين القديم والمعاصر).
من جهة الدوافع (بشأن مجزرة صبرا وشاتيلا التي ندرسها مثلاً) هناك الكثير: انتقام نابع من الحقد المتراكم بعد سلسلة المجازر المتبادلة خلال سنوات الحرب الأهلية، ورغبة الكتائبيين بترويع الفلسطينيين لكي يهاجروا من لبنان (بالأسلوب ذاته الذي تم ترويعهم فيه قبل وفي أثناء حرب الثمانية وأربعين من أجل إجلائهم عن أرضهم في فلسطين)، وانتقام الجيش الإسرائيلي لأكثر من سبب معروف من الفلسطينيين الذين قاوموه ثلاثة أشهر، وحتى من الأطفال الذين فاجؤوه في معارك الدبابات (فتيان الآر بي جي)، ورغبة قوى لبنانية أخرى بإخراج "الغرباء" جميعًا من بلادهم بعدما "دمروها"، واقتناع أطراف لبنانية بأنها ليست عربية؛ إضافة إلى رغبة الصهاينة في إبادة الفلسطينيين.. إلخ.
إذا قبلنا الصيغة الأولى للرواية التي عممت عن مجزرة صبرا وشاتيلا، فقد يكفي الاعتماد على أوامر السلطة "المحترمة أو المرهوبة" وعلى فكرة توزيع المسؤوليات لتسويغ أعمال الجندي الذي سمح بدخول المسلحين إلى المخيمين، ثم منعَ أحدًا من الدخول وراءهم . وقد يكفي لتبرير أعمال الجندي الذي كان يلقي بالقنابل المضيئة لتسهيل أعمال القتلة. ولكن هذا لا يكفي لتسويغ أو تفسير السلوكيات الفردية لكلٍّ من الذين مارسوا أعمال التقتيل أو صاروا يلهون بالتقتيل (ممن ذكرتهم الطبيبة الفرنسية في شهادتها).
المجازر الجماعية هي المثال الأكثر شمولية لـ "الأذى الذي يوقعه إنسان بإنسان آخر". وهي أكثر ما يخافه الإنسان في الحروب. وبخاصة بعد استسلام المقاتلين لأعدائهم، أو دخول الجيوش إلى المناطق المدنية المعادية.
ولنذكر بعض الإحصائيات السريعة: في الحرب العالمية الأولى قتلت الأطراف المتحاربة أكثر من ستة ملايين أسير بعد استسلامهم لأعدائهم، ويكفي التذكير بالمجازر التي ارتكبت بحق المدنيين الأرمن في هذه الحرب، وفي الحرب العالمية الثانية هناك المجازر التي ارتكبها النازيون ضد الغجر والبولونيين واليهود والسوفييت وغيرهم.
وقد أدت الفظائع التي ارتكبت في هاتين الحربين بحق الأسرى والمدنيين، وفي الحرب العالمية الثانية على نحو خاص، إلى انعقاد مؤتمر جنيف بدعوة من هيئة الصليب الأحمر الدولية تحت رعاية الحكومة السويسرية. ونجمت منه أربع اتفاقيات رئيسة هي: اتفاقية معاملة الجرحى في الحرب البرية، واتفاقية معاملة الجرحى والغرقى في الحرب البحرية، واتفاقية معاملة أسرى الحرب، واتفاقية معاملة المدنيين.
الجرحى والأسرى والغرقى والمدنيون العزل هم الذين يحاول القانون الدولي حمايتهم في الحروب.
أي أن الإنسان، بذاته، ومن خلال الممارسات الشنيعة عبر تاريخ الحروب، لم يكن ميالاً إلى الحفاظ على حياة هؤلاء، فالحروب تقوم لأهداف يراها القادة والزعماء وتجعلهم يعلنونها ويشنونها، ولكن هذه الأهداف تصل إلى الأفراد بطريقة خاصة تجعلهم مؤهلين للقتل من أجلها في الميدان، غير أن تأهيلهم لهذا القتل لا ينتهي عند استعدائهم على الخصم المحارب لقتله أو إيقاع الهزيمة فيه، بل يمتد إلى قتل الجريح والأعزل والمستسلم ثم المدني المسالم؛ ما يمكن تلخيصه بالرغبة في إبادة الطرف الآخر إبادة نهائية.
والهيئات الدولية، بصفتها التعبير الأسمى عن الضمير العام المشترك، تحاول حماية هؤلاء الضعفاء، أو الذين انتهت فاعليتهم القتالية، من أخصامهم الأقوياء. وتتوسع الدائرة التي يطالب الضمير الإنساني العام المشترك نفسه فيها بالتدخل لتشمل (نظريًا) حماية الأقليات داخل الدول، ثم حماية الأفراد أنفسهم من الحكومات التي تحكمهم، وقد يصل الأمر إلى حماية التلاميذ من أساتذتهم والأبناء من أهلهم والزوجات من أزواجهن.
ولقد أفردت ندوات وأبحاث خاصة لدراسة العنف الموجه إلى المرأة، سواء خلال تربيتها المنزلية عند أهلها أو عند زوجها بعد الزواج، وحتى في العمل وفي الحياة العامة وفي الشارع، ومن خلال القيم المتوارثة.
وثمة من قال إن السائر في الليل في شارع خال قد يحس بالخوف حين يشعر بأن هناك خطوات تتبعه. وأسباب هذا الخوف عديدة، وهي مشتركة بين الرجال والنساء، ولكن يضاف إلى هذه الأسباب سببان متعلقان بالمرأة وحدها: الأول هو الخوف من خطر التعرض للاغتصاب. والثاني لمجرد كونها امرأة.
ولنلخص الحالة على نحو مجرد:إنسان قوي بسلطته أو بسلاحه أو بماله أو بعضلاته، وبين يديه، أو أمامه، إنسان آخر ضعيف لأنه أعزل أو جريح أو مهزوم أو معتقل أو ضعيف أو لأنه صغير أو لأنه امرأة.
هناك رغبة "إنسانية" في حماية الضعيف في هذه الحالة حتى لو كان هذا الضعيف قد قرر المواجهة باختياره، كما يحدث في مباريات الملاكمة والمصارعة، حيث توقف المباريات "لعدم التكافؤ" و"لأسباب إنسانية"؛ وذلك لأن هناك إمكانية "إنسانية"، أيضًا، لأن لا يتوقف الخصم حتى عند استسلام المهزوم قبل القضاء عليه قضاء تامًا(2).
ما الذي يدفع الإنسان الأول إلى إيقاع الأذى أو التشويه في الإنسان الثاني بعد تحقيق النصر وإيقاع الهزيمة؟.


