قراءة كتاب حيونة الإنسان

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
حيونة الإنسان

حيونة الإنسان

كتاب " حيونة الإنسان " ، تأليف ممدوح عدوان ، والذي صدر عن دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع عام 2007 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 5

حين يرى الإنسان السوي جثة حيوان فإنه يبعدها لكي يبعد رائحتها و"منظرها"، وحين يرى الإنسان السوي جثة إنسان آخر ينفعل، ثم يسارع إلى دفنها، ليس فقط لأنه يريد تجنب رائحتها؛ بل هو لا يريد أن يرى تفسخها ونهش الكلاب لها وتفجر الدود منها، لماذا؟ لأن الجثة لإنسان مثله، وهناك احترام ضمني للرابطة المشتركة بين الإنسان والإنسان، ولعل الإنسان لا يريد أن يرى مصيره القادم في مثال هذه الجثة، ولذلك فإن أبشع أنواع المجرمين هم الذين يحفرون المقابر ويعبثون بالجثث.

فماذا نقول إذًا حين يكون العبث والتشويه بالجسد الإنساني الحي؟، وحين يكون الجسد لإنسان ضعيف وأعزل ومسالم؟، وماذا نسمي من يضع إنسانًا مقيدًا أو عاجزًا أمامه ثم ينهال عليه ضربًا وتجريحًا وتقطيعًا، ليس في مباراة للفوز، بل في زنزانة، حين يكون معتقلاً وبين يدي من نسميه الجلاد أو خبير التعذيب؟.

في كتاب ‹العسف›، عن الثورة الجزائرية، عرض لتجارب أناس تعرضوا للتعذيب، وفيه استنتاجات: "نميز بين صنفين مرتبيين من الجلادين: هناك الذين قبلوا أن يجعلوا من هذه المهنة القذرة وسيلة للحصول على خبزهم اليومي، وهناك الذين يدافعون، بشعور منهم أو غير شعور، عن المواقف الاجتماعية والامتيازات التي تخصهم بها سلطة مثل هذه الأجهزة.. وكما في كل مكان، الأوائل يعتصمون خلف أدوارهم كمنفذين. والآخرون يجدون مسوغات لأعمالهم في الترسانة الإيديولوجية".

ها نحن نعثر على سبب آخر غير إطاعة الأوامر، أو أننا نضع أيدينا على الخطوة الأولى في إعداد القتلة وتدريبهم وتأهيلهم.

إن منفذ التعذيب، بعد شحنه بفكر معين وعواطف وأحقاد خاصة، يشعر بأنه يؤدي خدمة خاصة "للسلطة التي يحترمها أو يخافها أو يهابها" أو للإيديولوجيا التي يؤمن بها. وهذه السلطة، هنا، هي الحكومة أو الشعب أو الحزب أو الطائفة أو الجماعة (الإثنية). (الخصم "الحر" يجب أن يصنف على أنه «لا إنساني»، كما يقول دافيد كوبر في ‹ديالكتيك التحرر›، «وغير الإنساني يصبح غير إنسان... وبهذا يمكن تدميره تدميرًا تامًا من دون أي احتمال لشعور بالذنب».

ويقول سارتر في تقديمه لكتاب فرانز فانون ‹معذبو الأرض›: «لما كان لا يستطيع أحد أن يسلب رزق أخيه الإنسان أو أن يستعبده أو أن يقتله إلا ويكون قد اقترف جريمة فقد أقروا [يقصد المستعمِرين] هذا المبدأ: وهو أن المستعمَر ليس شبيه الإنسان. وعُهد إلى قواتنا [يقصد القوة الاستعمارية الأوربية] بمهمة تحويل هذا اليقين المجرد إلى واقع. صدر الأمر بخفض سكان البلاد الملحقة إلى مستوى القرود الراقية من أجل تسويغ أن يعاملهم المستوطن معاملته للدواب. إن العنف الاستعماري لا يريد المحافظة على إخضاع هؤلاء البشر المستعبَدين؛ وإنما يحاول أن يجردهم من إنسانيتهم».

كما ينبهنا سارتر إلى اللغة التي يتكلم بها المستعمِر عن المستعمَر، فهي ذاتها اللغة المستخدمة في وصف الحيوانات، «إنهم يستخدمون تعابير: زحف العرق الأصفر، أرواث المدينة الأصلية، قطعان الأهالي، تفريخ السكان... إلخ».

والجلاد إذًا يرى في (الضحية-الخصم) أذى للبشر لأنه عدو للبشر أو أنه من غير البشر. ولم تكن النظرة العرقية، في البدء، تجعل الجلادين يحسون بأنهم يؤذون بشرًا، بل هم يخلّصون البشرية من أنصاف البشر الضارّين (فالنصف الآخر في كل منهم شرير وحقير وغير إنساني ومؤذ للإنسانية) أو هم يروّضون أنصاف البشر، هؤلاء، كما يروضون الجياد والبغال والحمير، لكي يصبحوا صالحين لخدمة " البشر الأسوياء ".

وتزداد هذه النظرة إلى الخصم عمقًا واتساعًا، فلا يكتفي الجلاد، والجلاد هنا ليس فقط ذلك الذي يمارس التعذيب؛ بل هو الذي يقوده ويوجهه، بأن يرى الخصم حيوانًا؛ بل يرى الطرف الآخر كله (القبيلة الأخرى كلها، الحزب الآخر، الشعب الآخر، القومية الأخرى) حيوانات. ومن هذه النظرة الفوقية الاحتقارية للآخرين تتولد نظرية الامتياز العرقي (الامتياز القومي، وشعب الله المختار).

ويجب أن نلاحظ أن الأقليات المنكمشة هي أقليات عانت من الاضطهاد، واضطرارها للعيش داخل دائرة الاضطهاد يدفعها إلى نسج نوع من الشرنقة حول نفسها لتؤمن الحد الأدنى من الحماية الذاتية مع الحفاظ على ملامح الهوية أو التشبث بها، والقدرة على الحفاظ على هذه الملامح، مع قسوة الحياة أو استحالتها، هي التي تجعل أبناء الأقلية المضطهَدة يحسون بنوع من الامتياز. كما أن الميادين الاستثنائية المتاحة والتي يسمح لهم بأن ينشطوا ويصرفوا طاقاتهم فيها تجعلهم يتميزون ويبرزون فيها؛ ما يعزز هذا الإحساس بالامتياز. وبحيث إن النظرة المجملة من قبل أبناء الأقلية لتاريخها يوصلهم إلى نتيجة تتلخص في القدرة الاستثنائية لهذه الفئة، وإلى تصور أن فئة أخرى ما كانت لتستطيع الصمود أو البقاء أو التماسك لو واجهت الأحوال ذاتها. وحين تتاح الفرصة لهذه الفئة المستضعفة أن تتنفس وتخرج إلى النور، أو أن تسود وتتسلط، فإنها تريد أن تؤكد هذا الامتياز بحس انتقامي من الآخرين هو نوع من الانتقام من الماضي.

ولكن الإحساس بالاصطفاء والاختيار الإلهي أو التميز العرقي ليس وقفًا على الأقليات المضطهدة، فالنازية قامت على الشعور بالتفوق العرقي، وسعت إلى تنقية العرق الآري، وكان من بين إجراءاتها، إضافة إلى الإبادة، محاولة تعقيم الأجناس الأخرى لضمان إنهاء وجودها، وهتلر هو الذي كان يتحدث عن «حيوات غير جديرة بالحياة».

وكلمة (تحسين النسل/ Eugenics) مشتقة من كلمة يونانية تعني «الجيد بالولادة» أو «النبيل بالوراثة». وتقول النظرية إن الإنسان يمكن أن يتحسن بالتربية والتوليد مثل النبات، وكان داروين من الداعين إلى ذلك، ومثله كان برنارد شو، وكانت النظرة إلى الموضوع على أنه نظرية تقدمية، أو متقدمة، وعلاجية للتطور، ولكن الأمر لا يقف عند النازية.

فقد نشرت الغارديان البريطانية تحقيقًا فضائحيًا عن هذا الموضوع جاء فيه:
 

الصفحات