قراءة كتاب حيونة الإنسان

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
حيونة الإنسان

حيونة الإنسان

كتاب " حيونة الإنسان " ، تأليف ممدوح عدوان ، والذي صدر عن دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع عام 2007 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 8

ويعقب البروفسور يوسي يونا، المحاضر في كلية التربية في جامعة النقب: «إن مجتمعًا يخضع للقوة ويقرر أنه بواسطتها يمكن أن يحمي وجوده هو مجتمع تطبع مع العنف. إنه يحول العنف إلى جزء طبيعي، لا بل إلى جزء لا يتجزأ من الواقع الاجتماعي، وأكثر من ذلك أنه يعلمه بأن القوة هي السبيل الوحيد لحل المشكلات... نحن نريد أن يكون أولادنا عنيفين فقط تجاه الأعداء، ولكننا لن نستطيع منع ذلك المسار الطبيعي بأن ترتد القوة إلى داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه».

ونختم هذا المقطع بالتصنيف المتبادل بين العرب واليهود: ففي كتاب دان أرويان ‹شخصية العربي في المسرح الإسرائيلي› يورد مقابلات حول مسرحية ‹مدينة واحدة›. وفيها يبدو العربي شخصية سلبية في الأساس: قديم جدًا وقبيح ومنتن وبطيء وأناني وشرير وسكير.. وفي مقابل ذلك تجد اليهودي الإسرائيلي شخصية إيجابية بطولي جدًا ومتفائل ومعترف بالجميل ومنكر لذاته ووسيم ومباشر ومتعال وسريع.. ويقول أحد العرب عن نفسه في المسرحية: «أنا عربي. لي شارب. أرتدي كوفية، وأنا قذر عفن همجي جبان منافق ماكر. لدي عقلية عبد. لذا أنا مخادع من دون ثقافة. أنا خائن لا يمكن الاعتماد علي..»

إن المجزرة، بوصف محايد، هي عملية تقتيل جماعية لأناس غير مسلحين،

أو مستسلمين، يقوم بها أناس أقوياء ومسلحون نمّيت لديهم أحقاد واستعدادات وحشية من خلال الإلغاء الذهني للآخر إلى حد عده من غير البشر.

بعد متابعة المجازر التي ارتكبها الأمريكيون في فييتنام يقول فيليب سلاتر في كتاب ‹السعي نحو العزلة›: «هناك نوعان من الإبادة البشرية تتم ممارستها في فييتنام، وربما كانا يحتاجان إلى نوعين من التفسيرات. أولاً هناك الإبادة من النوع الذي قام به جنود "هوي"، إبادة في منطقة محددة حيث يستطيع القاتل أن يرى الدم الذي يسفكه ويستمتع به كما هو واضح [ومجزرة صبرا وشاتيلا من هذا النوع]. والثاني، وهو الأكثر شيوعًا، ولا سيما بعد التطور الهائل في الأسلحة، الإبادة عن بعد، ويكون فيه القتل أكثر شمولاً، وبحيث إن القاتل يفكر على أساس المناطق على الخارطة أكثر مما يفكر بالأفراد [قصف هانوي أو قصف هيروشيما أو قصف بيروت أو أسلوب ما يسمى بسياسة الأرض المحروقة. وقد اعترف أحد الضباط الأمريكيين الذي أعطى الأوامر بتقتيل لواء من جنود عراقيين منسحبين في حرب الخليج (1992 م)، وشارك هو بنفسه في التنفيذ، بأنه شعر بأن الأمر شبيه بلعبة الغيم (GAME)، التي يمارسها الأولاد على الكومبيوتر أو الأتاري]. وفي الحالتين لا تُرى الضحايا بشرًا... ولكن في الحالة الأولى يرى القاتل، على الأقل، النتائج المباشرة لعمله؛ بينما لا يرى ذلك في الحالة الثانية».

وفي مقال للبروفسور رالف روزنتال في ‹المجلة الأمريكية لعلم الاجتماع› يقول: «لكي تنجح الإبادة يجب أن تتوفر لها أربعة عناصر، أولاً أن يكون منفذو الإبادة على اقتناع تام بصحة عملهم، وبأنهم يتصفون بالامتياز العنصري والإنساني من غيرهم. ثانيًا: أن يكون أمام المنفذين مجموعة تستحق الإبادة [من وجهة نظرهم]. ثالثًا: أن تتوفر الأسلحة القادرة على التنفيذ بالسرعة المطلوبة. رابعًا أن تتم العملية وسط جو سياسي ومعنوي خاص لا يكترث لعملية الإبادة، وإنما يقابل هذه العملية بالتفرج عليها».

هل اقتربنا من فهم المجزرة؟.

إذا دققنا في الآداب الأوربية نرى هذه الفوقية العرقية التي يتعامل بها الإنسان الأبيض مع ملوني الأرض: (لكي يطرح ألبير كامي أزمة بطله في ‹الغريب› ابتدأ بالقتل، ولكي لا ينشغل القارئ بشخصية القتيل فإنه يختار لبطله أن يقتل عربيًا جزائريًا «لأن الشمس كانت ساطعة»، ثم يتابع مشكلة البطل)، ثم كيف يصوّر الياباني أو الفيتنامي أو الصيني أو الأفريقي أو العربي أو المكسيكي أو الهندي الأحمر في قصص وأفلام الوسترن والحروب والعصابات؟، وأي مقدار من الشر موجود لدى هؤلاء، وغيرهم، بحيث إنهم يشكلون ذلك الخطر الهائل على البشرية إذا تمكنوا من التقدم علميًا وتمكنوا من امتلاك سلاح مدمر؟، (الإنسان الأبيض الأوربي أو اليهودي في كثير من الأحيان هو المنقذ من هذا الشر ابتداء بطرزان ربيب القرود وانتهاء بجيمس بوند التكنولوجي).

ما هي صورة الهندي الأحمر في التراث الغربي (الأمريكي على نحو خاص)؟، ما هي صورة العربي في الأدب الأوربي، حتى ما ليس صهيونيًا منه؟، وأخيرًا ما هي صورة الإنسان الأسود؟، «وإن كتب التاريخ تقول إنه ما من شيء ذي قيمة يحدث ما لم يصل إنسان أبيض»، كما يقول الزعيم الزنجي ستوكلي كارمايكل، «وأعتقد أن الشاب الأبيض الذي في سني في الغرب اليوم لا يدرك عنصريته غير الواعية، وذلك لأنه يتقبل كتابات الغرب التي دمرت التاريخ وشوهته وكذبت فيه حتى جعلت هذا الشاب ينطلق من افتراض أساس لتفوقه غير المدرك». ويقول فيليب سلاتر: «لدينا [أي الأمريكيين] ميل مزعج لرؤية غير البيض، والشرقيون بخاصة، على أنهم غير بشر. وأن نتعامل معهم على هذا الأساس. وفي السنوات الأخيرة توسعت هذه النظرة لتشمل شعوب الدول الاشتراكية عامة. وبحيث أنه في الوقت الحاضر تصبح أغلبية سكان الأرض مرشحة للإبادة لسبب أو لآخر».

تجربة الإنسان الأسود والسكان الأصليين في القارة الأمريكية أو الأسترالية وحدها تكفي للقول إن "إطاعة الأوامر من سلطة عليا" محترمة أو مرهوبة ليست مسوغًا كافيًا لتفسير قدرة الإنسان على إيقاع الأذى المتعمد (والذي يصل إلى حد الإبادة) بالإنسان الآخر المستضعف.

هل نتحدث عن "فروات رؤوس" الهنود الحمر التي كانت تؤخذ للذكرى وتعلق في بيوت الأرستقراطية الأوربية، والأمريكية، الراقية و"الديموقراطية"، بينما كانت نساؤها يغمى عليهن عند رؤيتهن الفأر؟، أم نتحدث عن سفن الرقيق التي كانت تنقل الأفارقة المسروقين بالملايين من غاباتهم وقبائلهم إلى العالم الجديد لبيعهم رقيقًا من أجل خدمة الأرض؟، وهل هناك حاجة للتذكير بأنه حتى ثورة أبراهام لنكولن، المعروفة بثورة تحرير العبيد، لم تكن إلا تحريضًا من الشمال الصناعي لعبيد الأرض الزراعيين كي يهجروا الجنوب ويتجهوا شمالاً (وهم "أحرار") حيث الحاجة ملحة إلى هذه اليد العاملة الرخيصة؟.

إن سجل الأدب الذي يسجل هذه المعاناة سجل ضخم. ولا حاجة لسرد المراجع والكتب حول هذه المسألة. ويكفي التذكير بكتابات جيمس بالدوين وريتشارد رايت وستوكلي كارمايكل ولوروا جونز.. ولا بأس من التنويه بكتاب ألكس هالي ‹الجذور› الذي تحول إلىمسلسل تلفزيوني شهير يحمل العنوان ذاته. وقد شاهده معظم أبناء منطقتنا.

هناك سبب اقتصادي يبدأ من "حاجة" الجلاد إلى راتبه وينتهي إلى "حاجة" شعب إلى نهب شعب آخر. ولا يتم سد هذه "الحاجة" إلا بالقضاء على قدرة هذا الشعب الآخر على المقاومة، أو الرغبة فيها، وإيصاله إلى حد السكوت المستكين وهو يرى السرقة تتم أمام عينيه، بل والانتقال إلى جعل الشعب يرى نفسه لا يستحق هذه الثروات التي في بلده، وأن من يستحقها هو ذلك الآخر القوي المتجبر، وهذا لا يتم إلا بإذلال هذا الشعب، أو الشخص، وتسخيره والاستمرار في تجهيله (الأمر الذي لا يمكن أن يتم إلا بناء على عدّ هذا الشعب المنهوب أقل من البشر أو بإيصاله إلى مستوى يصبح فيه أقل من البشر فعلاً).

ولكن هذا السبب أيضًا غير كاف، ولا يحيط بالمسألة كلها.

يريد المضطهِد أن يقمع شيئًا محددًا في المضطهَد هو جوهر حياته، أو أحد أهم المستلزمات لحياته، لأنه يريده نصف حي. النصف الآخر "الزائد" هو الإرادة أو الحرية والكرامة. وهذه فوائض في المضطهَد لا يريدها المضطهِد. وهذا النصف إن لم يمت فإن الاضطهاد والاستغلال لا يمكن أن يستمرا. النصف الثاني هو التلبية الطوعية لعمل السخرة (الذي يمتد من العمل اليدوي إلى تحويله إلى جندي مسلح لحماية عدوه أو خوض الحروب التي يدفعه إليها هذا العدو، وكثيرًا ما تكون ضد أبناء قومه أو ضد من يشبهونهم. ولنتذكر أن الجيش الفرنسي الذي كان يحتل سورية، مثلاً، كان يحتوي على عدد كبير من السنغاليين والجنود المغاربة، وهم أبناء الشمال الإفريقي العربي).

ونعود إلى سارتر، يقول: «ومع ذلك لم يتحقق الهدف في أي مكان، لم يتحقق في الكونغو حيث كانوا يقطعون أيدي الزنوج، ولا تحقق في أنغولا حيث كانوا يثقبون شفاه المتذمرين ليقفلوها بأقفال. ولست أدعي أن من المستحيل أن تبدل إنسانًا فتجعله بهيمة، وإنما أقول: إنك لاتصل إلى ذلك إلا بإضعافه إضعافًا كبيرًا. واللطمات لا تكفي أبدًا. لابد من المبالغة في التجويع».

ويتابع سارتر: «وهذه هي المشكلة المزعجة: إنك حين تجعل فردًا من أفراد نوعنا البشري أشبه بالدابة فإنك تقلل إنتاجه، والإنسان الذي يصبح حيوانًا أهليًا يكلف من النفقات أكثر مما يعطي من الأرباح، ولهذا السبب يضطر المستوطنون إلى وقف الترويض في منتصف الطريق، وتكون النتيجة أن لا يكون هذا المستعمَر إنسانًا ولا بهيمة؛ وإنما يكون من نوع السكان المحليين ».

ولكن لا يزال هناك جانب يحتاج إلى تغطية.

الصفحات