كتاب " حيونة الإنسان " ، تأليف ممدوح عدوان ، والذي صدر عن دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع عام 2007 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
قراءة كتاب حيونة الإنسان
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
«يخطر لنا أن التجارب العلمية التي تجري على البشر قد توقفت مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، ولكن هناك الكثير مما لم يتوقف ومما لم يتم الإعلان عنه بعد. وقد تم مؤخرًا اكتشاف أن السويد مثلاً، ويضيف التقرير أن الأمر ذاته يحدث في جميع الدول المتقدمة، قد ظلت إلى ما قبل عشرين سنة تجري تجارب تحسين النسل على مواطنيها. ومنذ (1935 م) وحتى (1976 م) هناك أكثر من (600) ألف مواطن سويدي جرى تعقيمهم (إصابتهم بالعقم المتعمد) من دون إرادتهم، أو من دون أن يعرفوا بما كان يجري لهم، وهؤلاء، موضوع التعقيم، هم المعوقون جسديًا أو عقليًا، وغير المرغوب بهم اجتماعيًا، والنساء اللواتي لديهن عدد كبير من الأولاد ويعشن حياة «سيئة»، والنساء اللواتي يحسبن غير قادرات على تربية الأولاد، أو غير قادرات على اختيار طريقهن في الحياة بطريقة «صحيحة». وبين المعقمين غجر ومشردون والذين هم «ليسوا من العرق السويدي الأصيل». ويتساءل الكاتب في ‹الغارديان›: «بماذا يذكرنا هذا؟» وهو يقصد أن هذا يذكر بما فعله النازيون.
ويضيف ويليم بلاف في ‹ملحق نيويورك تايمز› الخاص بالكتب أن هذه الإجراءات الهادفة إلى تنقية العرق والتخلص من «الدم الفاسد» ليست وقفًا على السويد بل هي شائعة في الدول الإسكندينافية كلها وفي سويسرا واليابان وفرنسا، التي تقول إحدى المجلات إن ما يزيد على (15) ألفًا تم تعقيمهم فيها.
وفي بريطانيا كانت مسألة تحسين النسل إشكالية مطروحة أيام حرب البوير. وحتى عام (1950 م) ظلت بعض الجمعيات البريطانية الخيرية ترسل الأطفال الفقراء وغير الشرعيين إلى أوستراليا لكي يصبحوا خدمًا من دون عقود أو أجور. (وحسب نظريات تحسين النسل فإن أوستراليا، التي كانت مأهولة بالأولاد غير الشرعيين وبالمجرمين، يجب ألا تكون إحدى أكثر الدول التزامًا بالقانون، وخلال الحرب كان تشرشل يرسل الجنود الأوستراليين، وليس البريطانيين، إلى سنغافورة حيث الخطورة أكبر، إن من الممكن التضحية بهم لأنهم ذوو «دم فاسد»).
وفي الولايات المتحدة وخلال عام (1972 م) وحده تم تعقيم (16) ألف رجل وثمانية آلاف امرأة بالقوة. وتصر جمعيات التعقيم الأمريكية على أنه يجب تعقيم (10 %) من السكان لكي يتم إنقاذ العرق الأبيض من الاندثار. ولم يُلغَ قانون التعقيم إلا عام (1973 م).
ويجادل البروفسور توربجورن تانسجو في جامعة ستوكهولم قائلاً إن التعقيم قد اكتسب السمعة السيئة من تصرفات النازيين، وإنه علينا أن نتحرر من كابوس التجربة النازية والنظر إلى التعقيم بمنظار آخر، فالتعقيم يتم لأسباب عديدة، هناك أسباب عرقية كما يعترف، ولكن هناك أيضًا أسباب نسلية «لمنع انتقال الأمراض القابلة للتوريث» وديموغرافية «لوقف التضخم السكاني» وإنسانية «لضمان أن الأطفال سيولدون عند آباء قادرين على العناية بهم».
وفي البلدان المتقدمة، وبعد فضيحة استمرار عمليات التعقيم البشرية والكشف عنها، كُشف أيضًا عن أمور أخرى تقوم على التعامل مع بعض الناس مثلما يتم التعامل مع فئران المخابر وحيوانات التجارب. ومن ذلك إجبار المئات من الأطفال المعاقين عقليًا على أكل أطعمة تحتوي على مقدار كبير من السكريات لدراسة تأثيرها في الأسنان. وقد دافع الأطباء عن أنفسهم بالقول إن هذا من أجل الصحة السنية للبلاد.
وربما كان لدى كل شعب من شعوب العالم نوع من الاعتزاز الذي ينطوي على إحساس بالتميز عن شعوب الأرض الأخرى، وهو ما يسميه إيريك فروم بـ «النرجسية الجماعية»، ولكن هذه النظرة لا تتجلى في شكلها المؤذي إلا حين يتفوق هذا الشعب فعليًا في ميدان من الميادين؛ وخاصة في الميدان العسكري.
وبعيدًا عن هذه النظرة العرقية يندرج البشر كلهم في إطار تشويه الخصم. والدكتور شموئيلي موريه (الإسرائيلي)، المحاضر في (جامعة القدس – قسم اللغة العربية)، أكثر وضوحًا ودقة في طرح المسألة وتحليلها. في كتابه ‹الصراع العربي – الإسرائيلي في مرآة الأدب العربي› يقول: «في حالات الصراع بين شعبين يحاول كل طرف أن يشوه شخصية الطرف الآخر.. وأن يدقق في سلبياته بواسطة عدسة مكبرة. ويؤدي التوتر الناجم من هذا الصراع إلى تصعيد الاتجاه نفسه، لدى كل طرف من الطرفين، صوب إبراز التناقضات الاجتماعية والثقافية والدينية وتشويهها إلى درجة التأكيد على التمايزات في المظهر الخارجي، مثل اللباس وبنية الجسم وتقاطيع الوجه ولون الشعر والجلد وما إلى ذلك … ويستهدف الطرح لدى كل من الطرفين التأكيد على اختلاف أبناء الشعب العدو وغرابتهم وتسويغ علاقات العداء والرفض لهم. إضافة إلى ذلك هناك هدف مزدوج كامن في الأمر: تسويغ الدعوة لإبادة العدو على الصعيد الخارجي؛ ورفع المعنويات وتحويل الصراع إلى أسطورة قومية على الصعيد الداخلي». مجلة ‹أوراق›، العدد (8 شباط/ فبراير 1984 م).
ولقد جاء في محكمة الشعب الدولية في اليابان (1983 م) للتحقيق في جرائم الغزو الإسرائيلي للبنان ما يلي: «كما أننا شاهدنا صورة جندي إسرائيلي شاب يقف على ناصية شارع في بيروت، هذا الجندي قال للمصور الذي قدم لنا شهادته إن أسلوبه [أي أسلوب الجندي] في التغلب على الخوف الذي كان يحس به من هول ما يجري هو أن يعد الناس الذين حوله غير بشر».


