كتاب " فن التحرير الصحفي - دراسة قرآنية " ، تأليف فايز رجا العقيل الجبور ، والذي صدر عن دار الجنان عام 2012 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب فن التحرير الصحفي - دراسة قرآنية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

فن التحرير الصحفي - دراسة قرآنية
وقالوا أن يعقوب وجد ريح يوسف من مسيرة ثلاثة أيام، لكن خشي أن يقال أن الخرف أصابه لكبر سنِّه، ومجرد ما جاء البشير ألقى القميص على وجه يعقوب فرجع بصيرا، وقال لبنيه ألم اقل لكم إني اعلم من الله ما لا تعلمون أي أن الله سيجمع شملي بيوسف وسيقر عيني به، فطلبوا منه أن يستغفر لهم الله عما فعلوه.
واجتمع يوسف بأبويه وحدهما دون أخوته، وأجلسهما على سريره، وسجدا له الأبوان والأخوة الأحد عشر تعظيما وتكبيرا، وكان هذا مشروعا لهم، وقال هذا تعبير ما كنت قد قصصته عليك من رؤيتي).
(ب)- النموذج الخَبَري(نموذج سورة النمل):
ورد في القرآن الكريم آيات معينة في عدد من السور التي يمكن الاستفادة منها في الكتابة الصحفية، على النحو التالي:-
أولا: قال تعالى في الآيتين 17، و18 من سورة النمل: (وحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ* حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ).
كان موكب سيدنا سليمان يتألف من الجن والإنس، والطير، فمر على وادي النمل؛ فقالت نملة يقال أنها ملكة النمل، وذلك لأنها وردت بصيغة المؤنث(قالت)، ومملكة النمل تتألف كما هو معلوم من الملكة والعاملات والذكور، فمن المستبعد أن تأمر إحدى العاملات والملكة موجودة، كما أن الحديث في سورة النمل كان عن الملوك، سليمان وبلقيس ملكة سبأ، فمن المرجح أن يكون الحديث أيضا عن ملكة النمل، والله تعالى اعلم.
فطلبت الملكة من أتباعها الدخول إلى مساكنهم بقولها:( يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ). وقد قال المفسّرون أن هذه الآية الكريمة من عجائب القرآن الكريم، لأنه قد ورد فيها تسعة معانٍ في اللغة العربية، وهي:
(يا...نادت)، أيها...نبّهت)، (النمل...عيّنت)، (أدخلوا...أمرت)، (مساكنكم..نصّت)، (لا يحطمنكم... حذّرت)، (سليمان...خصّت)، (جنوده...عممّت)، (وهم لا يشعرون...اعتذرت).
ففي هذه الآية تنبيه إلى أن هذه النملة قد قامت بوظيفة إخبارية، تستهدف مصلحة جماعتها وتجنيبها الأخطار التي تتهددها، وهذا معلم قرآني واضح، يجب على الصحفي الاسترشاد به في الحرص على مصلحة الأمة التي ينتسب إليها، وان تكون مهمته تنبيه قومه إلى ما يحدق بهم من أخطار، ويبين لهم كيفية تجنبها، كما فعلت النملة مع جماعتها.
ثانيا: قال تعالى في الآيات من 20-26 من سورة النمل: (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ* لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ* فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ* إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ* وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ* أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ* اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ). يذكر الله سبحانه وتعالى أن سيدنا سليمان احتاج أحد جنوده، وهو الهدهد، فلم يجده، فتوعده بالعذاب أو القتل، إلا أن يأتي بعذر يعذره به.
ويأتي الهدهد بادئاً كلامه بمفاجأة تطغى على موضوع غيبته، وتضمن الإصغاء إليه وتشد انتباه السامع إليه، واستمالة قلبه إلى قبول عذره، ولبيان عظم ما اشغله عن المجيء،( أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ)، ولما ضمن إصغاء الملك إليه بعد هذه المفاجأة، بدأ بعرض تفاصيل (النبأ اليقين) الصادق الذي جاء من مملكة سبأ. ويذكر الهدهد أنه وجد امرأة (بلقيس) تحكمهم، وأُوتيت من الثراء وأبهة الملك، وما يلزم ذلك من عتاد الحرب والسلاح وآلات القتال الشيء الكثير، ولها عرش عظيم تجلس عليه في قصر فخم رفيع البناء، لكنهم مع كل هذه العظمة الدنيوية إلا أنهم يعبدون الشمس من دون الله رب العالمين.
فالهدهد هنا قد أتى بالنبأ اليقين المؤكد الحقيقي، الذي يعلم أن سليمان سيهتم به أشد الاهتمام، ويلتفت إليه، لصلته برسالته السماوية، والنبوة المبعوث بها، في إطار دعوته إلى عبادة الله وحده.
والصحفي لا بد له أن يقتدي بالهدهد الموهوب الذي أدرك إدراك العقلاء الأذكياء مثل هذه الأنباء اليقينية التي تهم الناس وتجذب اهتمامهم إلى قراءتها والاستفادة منها، وأن يتحرى المصادر الأمينة ليستقي منها الأخبار والأنباء التي يطمئن إلى صدقها وصحتها.
ويجب أن يكون بارعا في مادته الصحفية، فيبرز ما يستحق القراءة ويقدمه إلى القراء بصورة سهلة الإدراك والفهم لجذبهم إلى القراءة والاستفادة مما يقدم إليهم، متجنبا الألفاظ النابية والجارحة أو التي تخدش الحياء. كما يستفاد من هذه الآية في كتابة المقدِّمة الصحفية التي تشد الانتباه كما شدّ الهدهد انتباه سيدنا سليمان (أحطت بما لم تحط به)، حتى نسي سيدنا سليمان أو تناسى أمر غيبة الهدهد مع هذه المفاجأة التي بدأ بها الهدهد، وهكذا.

