كتاب " مع الحركات الإسلامية في العالم " ، تأليف حسام تمام ، والذي صدر عن مكتبة مدبولي ، ومما جاء في مقدمة الكتاب :
أنت هنا
قراءة كتاب مع الحركات الإسلامية في العالم
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
و"تيكماطين" قرية عريقة جدا ومعظم سكانها ينتسبون إلي " آل البيت " رغم ملامح أفريقية تبدو ظاهرة على وجوهم بفعل التصاهر مع قبائل أفريقية على مدار القرون
تقول كتب التاريخ أن القرية تأسست عام 927 هجريا في الفترة الزمنية نفسها التي تأسست فيها مدينة مراكش الشهيرة عاصمة دولة المرابطين بالمغرب ..كانت القرية من القرى التي أسسها المرابطون الذين امتدت دولتهم في الغرب الأفريقي، وكانت إحدى أهم نقاط التواصل بين المجتمع الأفريقي ( السودان الغربي ) والمجتمع العربي المهاجر من السلالة الإدريسي التي تنحدر من ذرية المولي إدريس مؤسس أول دولة في المغرب بعد الإسلام.
ولكن أهالي القرية يقولون أن بها آثارا تعود لألف عام مضت، ربما كان الاسم يطلق على كامل المنطقة التي تقع فيها القرية، ويؤكد ذلك ما يقوله المؤرخ الموريتاني حسن ولد محنض من أن الملك حنّون الروماني القادم من قرطاج رست سفنه في حوض " تيكماطين " بحثا عن الذهب.
لأهالي تيكماطين اعتزاز غريب بقريتهم ويروون مأثوراتها ومآثرها بشكل يصعب معه على المرء أن يتصور أنها مجرد قرية لا يزيد سكانها على الألف نسمة تقريبا..ولكنهم دائما ما يستحضرون في حكاياتهم ما لها من مكانة ترجع إلي ما ساهمت به تاريخيا وسياسيا على مستوي الغرب الإسلامي كله وليس موريتانيا من أيام انطلاقة دولة المرابطين.
لقد كانت تيكماطين معبرا مرت عليه قبائل المجتمع الوولفي الأفريقي استجابة لنداء الجهاد الذي أطلقه المرابطون لنجدة مسلمي الأندلس قبل خمسة قرون.
ما بين الجلسات وأثناء تناول الطعام والراحة كان أهالي القرية يروون لي بعضا من تاريخها..أشاروا إلي ما ذكره عنهم الوزير الفوشتالي، الوزير في دولة السعديين في كتابه " مناهل الصفا " من أن الشريف إبراهيم رضوان جد أهالي تيكماطين، قابل صحبة ملوك بلاد السودان قوات المنصور السعدي بعدما هدمت مدينة تمبكتو التاريخية..وأنه شارك في صد عدوان السعديين ورد توغلهم في منقطة حوض النهر.
كما شاركوا في حروب ( شربّبا ) التي جرت في القرن السادس عشر بين طلبة المحاضر القرآنية وحملة العلم من جهة وبين السلطة الجائرة التي حاولت إلغاء التشريعات الإسلامية المعمول بها بين القبائل..وهي حروب تعد من أشهر الحروب التي عرفتها المنطقة منذ مجيء المرابطين..ويذكر كتاب شيم الزوايا للشيخ اليدالي أن أهالي تيكماطين كان لهم فيها دور مؤثر.
لطالما كانت القرية في مفترق طرق القوافل ما بين مدينة الصويرة بالمغرب وياكل في السنغال وهي الطرق التي كانت تمر بها قوافل تجارة الصمغ العربي وريش النعام..وهو ما ساعدها أيضا على أن تظل مزارا وموطنا أو ملجأ لغالب العارفين بالله الذين لجأوا إلي الغرب الأفريقي
ذكروا لي أن ممن زار القرية من الأولياء الشيخ سيدي محمد الكنتي والشيخ أحمد بازيد الباركللي المعروف بولد الرازقة وسيدي عبد الكريم المعيلي..وغيرهم من الأعلام الذين نشروا الإسلام في أفريقيا والأخير هو أبرز من نشر الطريقة القادرية في أفريقيا السوداء..كما أشاروا إلى أن الشيخ إبراهيم الأموي مفتي المرابطين دفن وله قبر في ضواحي قريتهم.
ولأنني من مصر فقد حدثوني عن الشريف سيدي محمد الصعيدي الولي الصوفي الذي جاء لزيارتهم من مصر.
أما أبرز شيوخ القرية وأعلامها الذين تفتخر بهم القرية فهو الشيخ " بوبزّولة"، وهو رحالة اسمه الأصلي محمد بن شمس الدين بوبزولة الإدريسي، نشر الدين الإسلامي في هذه المنطقة حتي نيجيريا وتزوج من قبائل الهوسا الأفريقية، وقد عرف بهذا اللقب إشارة إلي ما يشاع عنه بين العوام من كرامة ..فهو بعد أن انفصل عن زوجته الهوساوية سافر بمولوده الرضيع ولما جاع الرضيع في الصحراء أرضعه الشيخ بثديه حتى شبع فسمي "بوبزّولة" والثدي عند الحسانية يسمي بزّول.
وأحفاد بوبزّولة هم أمراء صوكوتو في نيجيريا ومن أشهرهم الأمير أحمد لديت الذي كان من أبرز من قاوموا الاستعمار الفرنسي في المنطقة.
ولأهالي قرية تيكماطين صلات قوية بالفضاء الإسلامي المحيط بهم خاصة السنغال، ويروي أهل القرية باعتزاز أن أكبر المدارس القرآنية في السنغال هي التي أسسها أجداد تيكماطين مثل المختار ولد مبا. كما كان لهم تأثير كبير في مسلمي السنغال وخاصة الشيخ أحمد بمبا شيخ الطريقة المريدية في طوبا بالسنغال وهي طريقة قادرية الأصل هي الأكثر حضورا وتأثيرا في الغرب الأفريقي..وقد كانت لهم به صلة روحية فكانوا يمدونه بالمصاحف وساعدوه أثناء مقاومته للاستعمار الفرنسي عام 1927، وعلى اسمه تسمي أحمدو بمبا العالم الصوفي الشاب الذي أشرف على تنظيم الملتقى، وابن شيخ القرية الإمام محمد سعيد صيار.
***
بقي أن نقول أن منظمة آل البيت التي نشأت في قرية نائية بالصحراء هي نموذج للعمل الأهلي الشعبي القادر على الاستغناء عن أموال التمويل الغربي والرسمي فهو ذاتي النفقة ولا يأخذ تبرعات وإنما يعتمد على دعم المريدين.
وقد تأسست لتقوم بمهمة حفظ للنسل الشريف حيث تسعى لجمع سلاسل ومشجرات الأنساب الشريفة في موريتانيا والغرب الأفريقي ودراستها على ضوء الهجرات ومعطيات التاريخ، وكذلك التأريخ للمدارس الصوفية في أفريقيا ومعرفة نظرتها إلي آل البيت، وأخيرا غربلة الموروث الأفريقي الصامت وتحديد موقع أل البيت فيه.
والحق أن القائمين على هذه المؤسسة يمثلون الجيل الجديد من المتصوفة والذي يسعى إلي تجديد التصوف وتنقيته وإعطائه دينامية حركية أولا عبر التحاور مع أبناء المدارس الإسلامية الأخرى السنية بشكل خاص، والانفتاح على وجهات النظر المختلفة حتى ولو كان لها ما تأخذه على التصوف، ثم إن هذا الجيل على درجة كبيرة من الوعي بخطر انغلاق التصوف أو عدم إدراكه للمخاطر التي تتهدده وعلى رأسها التشيع.


