أنت هنا

قراءة كتاب مقالات في النقد المعاصر الأدبية والاجتماعية والفكرية والثقافية

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
مقالات في النقد المعاصر الأدبية والاجتماعية والفكرية والثقافية

مقالات في النقد المعاصر الأدبية والاجتماعية والفكرية والثقافية

كتاب " مقالات في النقد المعاصر الأدبية والاجتماعية والفكرية والثقافية " ، تأليف د.

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
دار النشر: دار غيداء
الصفحة رقم: 5

ومن الأوصاف الأخرى التي جاءت في شعر شاعرنا الثعالبي وأثبتت مقدرته وتمكنه من غرض الوصف ما قاله في وصف الليالي (ق2، ق18، ق68، 69) وكذلك ما قاله في وصف الحيوانات (ق51، ق57، ق123). وما قاله في وصف الضياع وما فيهن (ق92، ق99، ق100. ..)، وما وصف به بعض المظاهر الكونية كقوله في وصف الريح (ق17)، وقوله يصف الماء الأزرق (138)، وقوله يصف كسوفاً للبدر (ق83)، وكل هذه الأوصاف وغيرها جاءت في شعر الثعالبي، مما ميزت شعره بالصور الحية، المفعمة بالحركة والألوان وتركت مقطعاتها في سحر لفظي وتركيبي وموسيقي جعلته في مصاف الشعراء الوصافين على الرغم من قلَّة شعره، ومجيء أكثره على شكل مقطعات.

وعن الرثاء؛ فقد قلَّ كثيراً في شعر الثعالبي، ولم يأت بين مقطعاته وقصائده إلاَّ في القليل النادر. ولعل مرد ذلك لأسباب كثيرة منها وأهمها أن أغلب شعر الثعالبي في المقطعات وغرض الرثاء – وكما هو معلوم للجميع – لا يكتفي بالمقطوعة لسرد أوصاف المرثي أو المرثية وذكر خصاله أو خصالها. ومن هذه الأسباب أيضاً أن الثعالبي عرف بعض الأغراض الشعرية الأخرى في شعره التي تشابه الرثاء في مضمونها ومعانيها كالحكمة والشكوى، ومثل هذه الأغراض قد تكون غطَّت على معاني الثعالبي الرثائية، وقد يكون الثعالبي هرب من الرثاء وأحزانه إلى مثل هذه الأغراض التي تتضمن شكوى الدهر والزمان من فقد الأحباب والأهل والحكمة من هذا الفقد وكيف العيش بدون صديق أو سمير مع كثرة الخطوب والنوازل.

ومن أشعاره في الرثاء قوله في تعزية الأمير خوارزمشاه عن ابن له:

قُلْ للمليكِ الأجلِّ قدرا

لا زلتَ بدراً تحلُّ صدرا

إني أعزيكَ عن عزيزٍ

كان لريبِ الزمانِ عُذرا

وكان طهراً فصار أجراً

وكان ظهراً فصار ذخرا

(ق71)، وقال في رثاء السلطان محمود الغزنوي:

عجباً من تماسكِ الافلاكِ

ومساغ الزُّلالِ في الاحناكِ

وثباتِ الجبالِ بعد زوال أل

طودِ ذي الطولِ مالكِ الاملاكِ

فلسانُ الزمانِ شاكٍ وطوف أل

دهرِ باكٍ والرزءُ في الملكِ ناكِ

(ق147)، وله مقطعات في الحكمة. وفي هذه المقطعات العظة من التجارب مع الناس، والتحرز منهم، والخوف من الدهر وتصاريفه، وعدم الحرص على الدنيا وزينتها. وقد جاء الثعالبي بهذا الغرض على الغاية من البراعة في اللفظ والمعنى، ودقة استعمال الصور، وحسن استعمال البديع وأثره الصوتي في المقطعات ولاسيما في هذه الأغراض.

وله أشعار في الخمر (ينظر: ق37، ق69، ق94، ق108، ق117، ق131، ق135، ق155،...)، وفي الحنين (ينظر: ق27، ق28)، وله في التهنئة بقدوم شهر رمضان المبارك (ق151)، والتهنئة بمولود جديد (ق161)، والتهنئة بدار جديد (ق189).

وهذه الأشعار عكست الحياة الاجتماعية للعصر العباسي الذي عاش فيه الثعالبي، وبيَّنت جوانب مهمة من تلك الحياة في مظاهرها المختلفة، وأحداثها المتنوعة.

ولا يعني أن الثعالبي الذي عرف شعر الشكوى والرثاء والحنين والحكمة أنه شاعر حزين، أو أن مظاهر الحزن بادية في شعره وظاهرة عليه، فقد عُرف في شعره بعضاً من مظاهر الهزل والإمتاع، وجاءت أيضاً في شعره بعض الأحاجي والألغاز (ينظر: ق61، ق67، ق93...)، وهذا دليل آخر على سعة تصوير المناحي الاجتماعية في شعر الثعالبي وكبير عنايته بها.

ومثلما جاء المكان الطبيعي والمكان الأليف في شعر الثعالبي جاء المكان المعادي في شعر الشاعر أيضاً. فله مقطعات – وقصائد أيضاً – في وصف هذا المكان المعادي المظلم، وبيان أثره في مَن أُودع فيه، أو سكنه. (ينظر: ق29، ق45، ق87). وجاءت هذه الأشعار في وصف هذا المكان، والحديث عن عظم المصيبة والمأساة لمن كان نصيبه في الدنيا، وكذلك قدم الثعالبي حكمته في الموعظة من هذه المصيبة، والتقرب إلى الله – عز وجل – لكشفها، وجاء بالتسلية والتصبر للمسجون حتى يتم الله عليه الفرج والخروج وفي ذلك تجربة معيشة من رجل عرف كل شيء في هذه الدنيا خيرها وشرها حقها وباطلها جيدها ورديئها كيف لا وهو الثعالبي الذي عرف أكثر البلدان وأكثر الأشخاص وكتب عنها وعنهم، وألَّف فيها وفيهم.

وفي الختام يسعدني أني برزت شعر مصنف وآثاري وإخباري كبير شهدت له الأمصار والأماكن بسعة علمه، وعظيم ذاكرته، وكبير فهمه وحفظه. وهذه الدراسة لا تسع كل شعر هذا الشاعر والمصنف والآثاري والإخباري، ولعلِّي أعود إلى هذا الشعر يوماً لدراسته دراسة مفصلة كالدراسات التي تتناول المستويات المعروفة كالتركيبي، والصوتي، والدلالي. أو دراسة القيم الجمالية في شعره في المقطعات وما إلى هذه العنوانات.

كما أني أرجو الباحثين والدارسين الاهتمام بهذا الشعر، ووضعه في المكانة اللائقة والمستحقة التي يستحقها الثعالبي ويعرف بها، فكم من رسالة تناولت الشعر العباسي في عصره ولم تحوِ – وللأسف الشديد – شعر الثعالبي بين الدواوين المستخدمة والمجموعات التي ضمتها قائمة المصادر في نهاية تلك الرسائل والاطاريح.

ولا يسعني أخيراً إلاَّ أن أقف وقفة إجلال واحترام ودعاء بالرحمة، والمغفرة لأستاذنا الكبير الأستاذ الدكتور محمود عبد الله الجادر – يرحمه الله تعالى – محقق الديوان، ومبرز آثار الثعالبي، فله وللمصنف كل التقدير والتحية، وعليهما ألف ألف رحمة، وأظنُّ أني أطلت عليكم، فيا رب حسن الختام والسلام.

الصفحات