كتاب " الدماغ البشري " ، تأليف سامي أحمد الموصلي ، والذي صدر عن دار دجلة
أنت هنا
قراءة كتاب الدماغ البشري
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
1- الدماغ – العقل:
حينما كتب الكسيس كاريل- الحائز على جائزة نوبل عام 1912 لأبحاثه الطبية - كتابه - الإنسان ذلك المجهول-قال في مقدمته ( لست فيلسوفا ، ولكنني رجل علم فقط قضيت الشطر الأكبر من حياتي في المعمل أدرس الكائنات الحية ، والشطر الباقي في العالم الفسيح أراقب بني الإنسان ، وأحاول أن افهمهم ، ومع ذلك فإنني لا أدعي أنني أعالج أمورا خارج نطاق حقل الملاحظة العلمية ) (1).
وإذا أردنا أن نفهم طبيعة العقل والدماغ في المفهوم المعاصر فإننا يمكن أن نبدأ بما كتبه كاريل في النصف الأول من القرن العشرين في كتابه هذا ، حيث أشار إلى أن الفلاسفة العظام أوقفوا حياتهم في جميع الأزمان والبلدان على بحث معضلة العلاقة بين الدماغ والعقل ، وهل يرجع العقل إلى فسيولوجيا الدماغ أم انه كائن لا مادي يتجاوز كل معطيات الكيمياء والفيزياء والفسيولوجيا ؟
ولعل أوضح نص يمثل الفرق بين الدماغ والفكر عند كاريل جاء في حديثه عن النشاط العقلي حيث قال ( ما هو الفكر ، ذلك الكائن العجيب الذي يعيش في أعماق ذاتنا دون أن يستهلك أي قدر قابل للقياس من النشاط الكيميائي ؟ هل يتصل بأشكال النشاط المعروفة ؟ هل يمكن أن يكون منظم الكون؟ وانه برغم تجاهل الأطباء له أهم من الضوء قطعا ؟ إن العقل مخبأ بداخل مادة حية يهمله الفسيولوجيون والاقتصاديون إهمالا تاما ، كما لا يكاد الأطباء يلاحظونه ، ومع ذلك فإنه أعظم قوة في هذا العالم ...فهل هو نتاج الخلايا العقلية مثلما ينتج البنكرياس الأنسولين والكبد الصفراء ؟ ومن أي مواد يفرز؟ هل يأتي من مواد كانت موجودة سلفا كما يأتي الجلوكوز من الجليوكوجين أو الفيبرين من الفيبريفوجين؟ وهل يحتوي على نوع من النشاط يختلف عن ذلك الذي يدرسه الأطباء ويعبر عن نفسه بقوانين أخرى وتولده خلايا الغشاء المخي ؟ أم هل يجب اعتباره كائنا غير مادي يوجد خارج الفراغ والزمن ، خارج أبعاد العالم الكوني ، ويدخل نفسه في مخنا بطريقة مجهولة لنا ؟ )[2] .
إن هذه التساؤلات لعالم تجريبي وطبيب حاز على جائزة نوبل تضع المقاربة بين العقل والدماغ وضعا صحيحا كما كانت معلومات العلماء في النصف الأول من القرن العشرين. ولعلنا إذا تتبعنا هذه المقاربة نجدها تمتد زمنيا على طول القرن العشرين مع التقدم الكبير في علوم الدماغ والأعصاب والطب النفسي والعصبي ، حيث نجد أن احد أطباء النفس وهو يدرس عمليات غسل الدماغ يفرز فرزا واضحا بين الدماغ والعقل ، بين المخ والفكر فيقول ( يجب ألا يغرب عن البال دوما أن المخ شيء والفكر شي آخر ، فالمخ أو الدماغ إطار أو معمل أو ماكنة فسلجية مؤلفة من الخلايا والألياف العصبية ، أما الفكر فهو عالم غريب مجهول معقد الرموز ، لا نعرف كيف يصنعه المخ وسر علاقته بنشاطه ، ونحن نرى أنفسنا وشخصياتنا ومدى تباينها عن غيرها ، فمنا الانطوائي ومنا الحذر والشكاك ومنا الأريحي والانبساطي والبخيل والهستيري والمطيع والمشاكس ، وعشرات ومئات الاختلافات الشخصية التي تمتد جذورها إلى الوراثة والمحيط أو الوسط المباشر للإنسان في ادوار نضجه الأولى ، فهل تتمكن أي عملية من غسل الدماغ وتحوير الأفكار أن تقلب الشخص الانطوائي إلى هستيري والأريحي المنبسط إلى متشكك منعزل والانبساطي إلى حذر شديد الأوهام؟)[3].
وهكذا نراه يرد على دعوات تقول أن الدماغ والعقل هوية واحدة كما دعا إليها الماديون فيضيف قائلا ( فالدماغ عضو والعقل طاقة ترتبط بالمحيط ، العقل يحدث في الدماغ ، لكن لا مجال لخلق عقل في دماغ لا صلة له ولا تفاعل مع المحيط ، فالعقل هو نتاج اجتماعي )[4].
فإذا ما تقدمنا أكثر مع علماء النفس والفسيولوجيين نجد أن هذه المقاربة تتحول إلى نظريات متعددة ، حيث نجد مثلا النظرية الذاتية ترى ( أن العقل هو هو المخ وتسوي بينهما، وان الحالات النفسية والعمليات العقلية ليست إلا تغيرات فسيولوجية معينة تحدث في الجهاز العصبي المركزي أو حتى في المخ فقط ، وليس العقل أكثر من ذلك )[5] ، هذه النظرية بدأت في الخمسينات من القرن العشرين وتطورت حتى قالت ( أن ليس للعقل من معنى غير ما يحدث في المخ من تغيرات وان خصائص الحياة العقلية هي ذاتها خصائص الجهاز العصبي المركزي أو المخ واحداثهما)[6] .
على أن أصحاب هذه النظرية رفضوا الفكرة الساذجة التي تجعل أن هناك ذاتية واحدة بين العقل والمخ وأنها ذاتية منطقية ضرورية، وبذلك رفضوا القول أن العقل هو المخ في معناه وخصائصه أو أن يكون العقل هو المخ بالتعريف ، وذهبوا إلى ذاتية تجريبية تقول أن مرد الحالات النفسية والعقلية هي المخ وليس ثمة شيء آخر ، وهم يرون أن بين الخبرات النفسية والعقلية والتغيرات الفسيولوجية في المخ ارتباطا ضروريا .
إن هذه الدعوة تعود إلى الاعتقاد بأن كل ما بالكون مادي بطبيعته ولا يوجد شيء غير مادي وهم يرون أن معرفتنا الفسيولوجية إذا تطورت فحينئذ يمكننا تفسير كل الحالات النفسية والعقلية بضوئها .
إن المفارقة بين طبيعة الفكر والعقل وبين المخ والدماغ هي في كون الفكر والعقل لا ماديان في حين أن المخ والدماغ إنما هما مادة فكيف يمكن أن يفرز المخ المادي فكرا لا ماديا ؟.


