كتاب " الدماغ البشري " ، تأليف سامي أحمد الموصلي ، والذي صدر عن دار دجلة
أنت هنا
قراءة كتاب الدماغ البشري
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
2- الدماغ- الشخصية
حينما تحدث الأطباء منذ ابقراط وحتى القرن العشرين عن طبيعة الدماغ قالوا بان خلايا الإنسان تتغير ،تموت وتولد بدلها خلايا أخرى إلا الدماغ لان كل خبرة الإنسان وشخصيته مبنية على وحدة معلوماتية تبنى في ذاكرته ، فالذاكرة هي وحدة الشخصية ولما كان الإنسان يبقى هو هو على طول حياته لذا فلا يمكن القول أن خلايا الدماغ تموت وتولد مكانها خلايا أخرى ، لأن معنى هذا أن شخصية -ذاكرة الإنسان- سوف تتغير معها وهو ما ليس حاصلا ، من هنا كانت المعلومات الطبية تقف عند حدود خلايا الدماغ فتجعلها باقية طول حياة الفرد وتغتني بالمعلومات عبر ذاكرته التي تحول ممارسة حياته إلى ماض عبر هذه الذكريات المخزونة .
إذن فإن شخصية الإنسان وليدة ذاكرته ، وذاكرته وليدة دماغه وقدرته على الخزن ومن هنا يمكننا أن نفهم طبيعة الشخصية من خلال الدماغ كذاكرة أولا .
على أن العلم الحديث في نهاية القرن العشرين اثبت إن خلايا الدماغ تموت وينمو بدلها خلايا جديدة ، ومع هذا فإن شخصية الإنسان بقيت لان طريقة عمل الدماغ معلوماتيا هي طريقة هولوغرافية فما أن يعطل جزء من الخلايا حتى تقوم خلايا بديلة بنفس نشاطها وكأنها هي وهذه أحدث نظريات تحليل المعلومات والذاكرة طبيا ، فالذاكرة ليس لها موقع واحد في الدماغ كما أثبتت دراسات بنفيلد بل أن الدماغ كله يتوزع المعلومات والذاكرة مما يحافظ على وحدة شخصية الإنسان مهما تلف من بعض أجزاء دماغه .
يقول علماء النفس الفسيولوجي ( إن لجسدنا وحدة عضوية لان الجملة العصبية تنظم انطباعاته وتجمعها ، وهذه الوحدة العضوية هي الأساس الذي تبنى عليه وحدة الشخصية إذا فقد المجموع العصبي وحدته عند بعض الأنواع الحية فقدت الشعور الواضح لشخصيتها ، ولذلك كانت وحدة الشخصية تابعة لمركزية الجملة العصبية )[34]
ولو عدنا إلى معطيات تحديد الشخصية وسماتها كما ذكرها ابقراط لوجدنا أنها تقوم على طبيعة افرازات التركيب العصبي والغددي في الجسم ، أي طبيعة يتحكم بها الدماغ أولا وأخيرا ، لقد حدد ابقراط أربعة أنماط من الشخصية بناء على هذه الافرازات وغلبتها في شخصية عن شخصية أخرى ، فتحدث عن الشخصية الدموية والشخصية المرارية الصفراء والشخصية السوداوية والشخصية البلغمية ( فالنمط الدموي ناجم عن زيادة في إنتاج الدم وهو يؤدي إلى التفاؤل والانشراح والنشاط، أما المزاج المراري فهم ناجم عن زيادة العصارة الصفراء وهو يؤدي إلى المزاج العصبي الحاد والحار وإلى العنف ، والنمط السوداوي ناجم عن زيادة العصارة السوداء في الكبد وهذا يؤدي إلى التشاؤم والغم والاكتئاب -المزاج السوداوي- والنمط البلغمي فهو ناجم عن الافرازات البلغمية في منطقة الفم والحلق والبلعوم ووفرة هذه الافرازات تؤدي إلى برود الهمة وفتور الحركة والكسل والخمول )[35] .
وبغض النظر عن دقة هذه المعلومات اليوم إلا أن الأساس كان هو وصف الشخصية بطابع غلبة عنصر من عناصر الجسم الداخلية وافرازاته أي طبع الشخصية بطابع كيمياء الجسم الداخلية وغلبة بعضها على بعض.
وحتى اليوم نجدان علماء النفس الاكلينكي يؤكدون على العوامل التكوينية للشخصية التي يرجعونها أيضا إلى الجهاز الغددي والعصبي حيث يقولون ( على الرغم من ان الشخصية هي موضوع لدراسة سيكولوجية إلا أننا لا نستطيع أن ننكر اثر العوامل التكوينية البيولوجية في تكوين شخصية الفرد أو بعبارة أدق في تشكيلها وتلوينها إلى حد ما ، ونعني بذلك العوامل والمقومات حالة الجهاز الغددي والعصبي ) [36]
ولاشك أن صعوبة تحديد الشخصية وقياسها هو مسألة مسلم بها حتى أن الانثربولوجيين يتفقون مع علماء النفس على صعوبة هذا التحديد بدقة لعدم تطابقها مع سمة واحدة معينة أو بسيطة ( فالشخصية لا تعتمد على خاصية أو مجموعة من الخصائص فقط ، بل على تفاعلها كلها بعضها مع البعض الآخر في الفرد ومع تعقيدات واقع الحياة التي يعيشها الفرد في مجتمعه )[37]. فالشخصية حتى إذا أمكن قياس سمة الذكاء فيها بفضل الاختيارات المصممة ( لكن الشخصية مسألة اعقد للجوانب العديدة التي تتألف منها مما لا يسمح بإخضاعها إلى أي مقياس )[38] .
لقد تأكد للدارسين في نمو شخصية الفرد اجتماعيا ( إن لكل فرد شخصية جوهرية تتأثر بالمحيط الاجتماعي وأحداثه دون أن تفقد خصوصيتها الفردية ، وان النمو يستمر حتى سن متأخرة للفرد ولا يتوقف كما كان متصورا عند سن المراهقة)[39] وهذا يعني أن التفاعل المزدوج بين الطبيعة والتنشئة هو المسئول عن تفرد كل واحد منا نحن البشر
وهذا يؤكد حقيقة تأثر الشخصية بالدماغ الذي يحفظ استجابات تكيفية وتعليمية عبر الذاكرة بمقدار ما يتحكم بافرازاته بطبيعة بنيوية للشخصية ، بل ثبت أن الكيمياء الدماغية الناتجة عن التعلم تؤثر تأثيرا مباشرا في اكوين الشخصية (إن كيمياء الدماغ الحقيقية تتبدل بفعل التعلم ، ونظرا لتفرد هذه الكيمياء الدماغية في كل إنسان فإن نتائج التعلم تتفاعل من خلال هذا التميز فتولد اختلافات فردية متزايدة ، ومن المرجح أن هذا التنوع الفردي يخدم ديمومة الشخصية وبقاءها )[40]