أنت هنا

قراءة كتاب الثقافة والمجتمع

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
الثقافة والمجتمع

الثقافة والمجتمع

كتاب " الثقافة والمجتمع " ، تأليف د. سمير إبراهيم حسن و تقديم أ.د خضر زكريا ، والذي صدر عن

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 9

ولكن الاستخدام الاصطلاحي لكلمة ثقافة في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا لا يقتصر على التهذيب أو تقدم المعرفة، كما لا يقتصر على الأدباء والمفكرين وما يطلق عليه اسم «المثقفين» باعتبارهم حاملي الثقافة أو منتجيها، كما في "بيان المثقفين" الشهير. وليست الثقافة مفهوماً فكرياً بحتاً محدودة (بالفكر) أو بما يتعلق بالمعرفة الراقية التي يحملها أو ينتجها أشخاص متميزون، بل الثقافة مفهوم عام جداً. إنها أسلوب الحياة السائد في أي مجتمع بشري، من التجمعات البشرية الأولى حتى أكثر المجتمعات المعاصرة تقدماً، فلكل شعب طريقته في الحياة وفي رؤية العالم وتلك هي ثقافته. فمفهوم الثقافة يشمل كل نتاج إنساني من وسائل الإنتاج البدائية إلى الأدب والفن والميثولوجيا والدين والأخلاق وجميع مظاهر الحياة الاجتماعية من لباس وسكن وطعام وشراب وآداب المائدة وغير ذلك من المظاهر المادية، وكذلك طقوس ومظاهر التعبير والتواصل الإنساني .

في الواقع إن مفهوم الثقافة بالمعنى العام هذا يعتبر من أكثر المفاهيم الاجتماعية اتساعاً وشمولاً وبعداً عن التحديد؛ فقد امتد بعض التعاريف ليشمل كل شيء وكل أثر إنساني في الطبيعة، فهي كل ما تضيفه العبقرية البشرية إلى الطبيعة لتعديلها وإنمائها واستخدامها، ونتذكر في هذا الصدد كيف وضع عالم الأنثروبولوجيا الشهير"كلود ليفي شترواس" الثقافة في مقابل الطبيعة، مقابلاً "النيء بالمطبوخ" باعتبار الثقافة حادثاً نوعياً بالنسبة إلى الحادث الطبيعي، حيث الطبيعة هي النظام بذاته بينما الثقافة هي انعكاس هذا النظام والسيطرة عليه بالفكر البشري. بحيث يمكننا القول: إن الثقافة هي الكل المركب من كل ما نفكر فيه، أو نقوم بعمله أو نمتلكه، كأعضاء في مجتمع. ويرى جيمس سبرادلي في هذا الصدد أن ثقافة المجتمع، تتكون من كل ما يجب على الفرد أن يعرفه أو يعتقده، بحيث يعمل بطريقة يقبلها أعضاء المجتمع.. إنها تنظيم الأشياء والسلوك والانفعالات في شخصية الإنسان، وبشكل أساسي هي ما يوجد في عقول الناس من أشكال ومتخيلات لهذه الأشياء.

فتتضمن الثقافة برأي معظم علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا (تايلور، سبنسر، كروبر) العناصر اللامادية كالمعرفة والعقيدة والفن والأخلاق والقانون والعادات والأعراف والأفكار واللغة، وتهيئ هذه المكونات منظومة من الأجوبة على المسائل التي تطرحها الطبيعة والمجتمع على الإنسان وتكون رؤيته المميزة للعالم. ونجد عند عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي المعاصر (كيلفورد غيرتز) تشبيهاً طريفاً للثقافة بالجينات الوراثية ( DNA ) فثقافة المجتمع تزودنا بمسودة أو طبعة أولية يمكن بمقاييسها أن تتخذ العمليات الخارجية بالنسبة إليها شكلاً محدداً، فنظام القواعد في سلسلة من الجينات مثل نظام القواعد في ثقافة ما. بمعنى أن معرفتنا لثقافة ما تزودنا بتوقعات لسلوك أبناء هذه الثقافة وفي هذا الصدد يقول غيرتز: "....مهما تغيرت الحضارات في المستقبل - فإن الأبعاد الأساسية لشخصيتها، وبنية الإمكانات التي ستتحرك ضمنها دائماً بمعنى ما: قد شُكِّلت في الفترة المبدعة، عندما كانت في بداية تكونها[6]. وبهذا المعنى رأى عالم الاجتماع الأمريكي الشهير (بارسونز) أن الثقافة هي الأساس المكون للسلوك والفعل الاجتماعي.

رغم كثرة التعريفات وتنوعها، وربما بسبب ذلك، ظل مفهوم الثقافة صعب التحديد، فالمؤتمر العام الثقافي لحكومات أوربة الشرقية المنعقد تحت إشراف منظمة اليونيسكو في هلسنكي في شهر حزيران من عام 1972، بالرغم من تركيز اهتمامه على الحفاظ على الهوية الثقافية للقارة الأوروبية، لم يستطع الاتفاق على تعريف للثقافة التي يجدر الحفاظ عليها. ولكن بعد ذلك بعشر سنوات في إعلان مكسيكو (6آب 1982)، نجد المجتمعين يتفقون على تعريف عام ينص على أن الثقافة بمعناها الواسع يمكن النظر إليها على أنها: «جميع السمات الروحية والمادية والعاطفية، التي تميز مجتمعاً بعينه، أو فئة اجتماعية بعينها. وهي تشمل: الفنون والآداب وطرائق الحياة.. كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان، ونظم القيم والمعتقدات والتقاليد».

الصفحات