كتاب " في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم " ، تأليف نزار أباظة ، والذي صدر عن دار الفكر للطباعة والتوزيع والنشر .
أنت هنا
قراءة كتاب في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم
وسارت به الناقة حتى بركت في مِرْبَد[9]، أمام دار أبي أيوب خالد بن زيد رضي الله عنه ، فلم ينزل الرسول عنها، فوثبت، فسارت غير بعيد، ورسول الله واضع لها زمامها، لا يثنيها به، ثم التفتت إلى خلفها، فرجعت إلى مبركها أول مرة، فبركت فيه، ثم ثبتت على الأرض، ووضعت عنقها عليها مستقرة. فنزل عنها الرسول. وسارع أبو أيوب، فاحتمل رحله ورحْل أبي بكر، فوضعهما في داره، مسروراً بهذا الإكرام الذي هبط عليه من السماء هبة قدسية، ما يزال التاريخ يتحدث بها.
وقال النبي عندئذ:
- هذا إن شاء الله المنزل.
قال الناس يعلقون على هذا: «ذلك من توفيق الله عز وجل، لأنّ أخواله أولى به أن ينزل فيهم من غيرهم»، ورضيت النفوس.. ولم يثر بين المتنافسين أي ضغائن.. أبداً.
وجاء أسعد بن زُرارة، فأخذ بزمام راحلة النبي، فساقها إليه، فكانت عنده.
قال زيد:
كانت أمي في استقبال النبي، كان وجهها يلتمع سروراً وبهجة على نحو لم أشهد مثله من قبل.. كانت مع النساء تسعى.. ثم افتقدتها، فلم أجدها.. أين هي، يا ترى؟ ما الذي دفعها إلى ترك المشهد مع صواحبها اللائي كن معها؟
هرعتُ إلى البيت.. كانت أمي منهمكة في الطبخ، على وشك أن تنتهي، والدخانُ يتخلل جسمها لا تبالي، قالت لي:
- ابق يا زيد، لا تغادر.. ستذهب بهذا الطعام إلى رسول الله.
ثردت أمي الخبز في قصعة كبيرة، باللحم واللبن وخلطته، ثم غطته بالسَّمن.
وأسرعتُ، فحملت القصعة مبتهجاً.. حتى وافيت دار أبي أيوب، فدخلت على النبي، ووضعتها بين يديه مستحيياً أهابه.. فلما رآني قال أبو أيوب مشيراً إلي:
- هذا زيد بن ثابت يا رسول الله.
فتلطف النبي، ودعا لي، فقال:
- بارك الله فيك.
وتسابق الأنصار يهدون إلى رسول الله الطعام بعد هدية أمي التي كانت أول ما قدّم إليه، ففرحتْ بما صنعتْ وحمدتِ الله على ما سبقتْ إليه.. وكان على باب أبي أيوب كل يوم من القصاع ثلاث أو أربع. والرسول يدعو من عنده إليها[10].
قالت أمي حين عدت إليها وقصصت عليها الحكاية:
- الحمد لله أن خصّك رسول الله بدعوة هي أحب عندي من الدنيا وما فيها.
وبقي النبي مقيماً في دار أبي أيوب والصحابة يترددون عليه فيها حتى استتم له بناء المسجد، وبجواره حجرتان لزوجتيه سودة وعائشة.. وقد شيدتا ببساطة البناء نفسه[11]. وعندئذ انتقل إليهما.

