أنت هنا

قراءة كتاب أزمة النخب العربية

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
أزمة النخب العربية

أزمة النخب العربية

كتاب " أزمة النخب العربية " ، تأليف د. حسن مسكين ، والذي صدر عن مؤسسة الرحاب الحديثة للنشر والتوزيع .
ومما جاء في مقدمة الكتاب :

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 7

وإذا نحن شددنا على مسألة الاستقلالية، فلأنها شرط أساس في أي انطلاقة تسعى إلى تحقيق إنجازات عملية ومستديمة غير قائمة على أوهام أو مظاهر خداعة كما هي عليه مجتمعاتنا العربية الآن، ذلك أن التنمية "ليست مجرد إضافات كمية من الخارج في شكل استثمارات أو إقامة منشآت صناعية وما شابهها ولكنها جهد مبدع تقوم به الأمة ويتخذ ضمن ما يتخذ شكل إقامة مؤسسات إنتاجية أو صناعية. فما لم تكن التنمية تحمل هذا المضمون فإنها لا تكون تنمية حقيقية، أو لا تكون تنمية مستقلة، وبالتالي فإن قدرتها على التواصل وتحقيق نهوض حضاري متكامل تكون غير واردة. إن التنمية المستقلة لا تنبع من فراغ،"([11]) وإذا ادعت البلاد العربية اليوم أنها قادرة على إنجاز هذا التحدي، فإنها ستكون واهمة، لأنها لم تهيئ بعد الشروط والمقومات التي تدعم قولها هذا أو رغبتها هاته، أو قل إن دعوتها هاته قامت على إعادة تاريخ وإنجازات سالفة، وتحاول أن تبعث فيها الروح من جديد! وهذا – فيما يبدو لي- أحد جوانب تكريس التخلف، لأن مثل هذا التصور لا يقيم اعتبارا للحظة التاريخية، ذلك أن النهضة([12]) نفسها التي راهن عليها كثير من مثقفينا- هي في العمق فعل تاريخي، تنأى عن قضية، بل أسطورة البعث والإحياء التي لا تزال سارية بين العديد من المفكرين دون ملل أو وعي بضررها، لأن "كل بعث أو إحياء [يعد] مساهمة في توقيف المشروع النهضوي. وعندما يتسم المثقف العربي اليوم في حديثه بلغتين، أقصد اللغة / الكلام، وبإطارين مرجعيين، فإنه يستمر في الحديث بلغة تدعم استمرار التأخر"([13]).

ثم إنه إذا كانت المحاولات السابقة قد تراوحت بين استيلاب (حداثي) يرى في الغرب المخلص الأمثل، والنموذج الأوحد في الاقتداء، أو استيلاب ماضوي يرتد إلى الأسلاف ليجيبوا بدلنا عن أسئلة راهنة واحداًث قائمة، حية، فإنه آن الأوان اليوم لنتحمل المسؤولية ونعترف بقصورناعن تحريك هذه البرك الآثنة التي ألفنا ماءها الثابت، دون أن نقوى على تغييره بمياه وأفكار أخرى جارية، تستمد قوتها من صفاء أعمالنا، وحسن إرادتنا ونجاعة أعمالنا بدءاً من الانعتاق من أغلال الماضي، والتحرر من قيود التبعية مهما تكن وجهتها سواء إلى الأسلاف أم إلى الأغراب، والاعتماد في المقابل على الذات المؤمنة بالإبداع الشامل لكافة مناحي الحياة، بوصفه قيمة معرفية، علمية ثقافية تدفع باتجاه الفعل وليس الاقتباس أو التقليد أو الاستيراد أو الاستهلاك. وذلك لأن خلف هذه الحركة التي ستشمل السياسة والمجتمع والاقتصاد والفكر والفن روحا وبعدا ثقافياً معنوياً يوجه، ويؤطر ويضع الخطط الكبرى والفلسفات والرؤى الخلاقة التي تبني الحضارات وتعمل على نمائها وتطويرها، ما دامت هي التي تحدد موقف الإنسان من الزمن والعمل والمحاسبة والتقييم والإنتاج والوجود في سموه. ليتحول كل ذلك إلى رأسمال ثقافي شامل، يبرز تأثيره جلياً في شتى المجالات. غير أن ما يميز هذا الأخير كونه ليس شيئاً ثابتاً، أو قدراً مقدراً على الشعوب، بل إنه مقوم حي، ينمو، ويتراجع حسب إرادة وإنجاز كل شعب وقدرته على تمثله واستيعاب أبعاده واستثمار عناصره، لتكون دافعاً قوياً نحو التنمية القائمة على أسس متينة، قادرة على إفراز نتائج ملموسة، تستفيد منها الأمة جمعاء.

ويبقى السؤال: أين نحن من هذا التصور؟ وهل كانت هذه الأبعاد الثقافية حاضرة في تلك الخطط أو البرامج أو المشاريع التي تحكم الآن مسار مجتمعاتنا العربية؟

لن نبالغ إذا قلنا إن غياب هذه الأبعاد السالفة الذكر في سائر المجالات، كان ومازال إحدى الأسباب الرئيسة في عقم إنجازاتنا المعرفية، وتخلف أدائنا السياسي والاقتصادي. والنتيجة هو ما تعيشه بلداننا العربية في الغالب من ترد ثقافي حال دون اكتساب هذا الأخير شرعية الامتداد والفعل. وهنا لابد من الإشارة إلى الالتباس الحاصل في هذا المفهوم لدى العربي الذي يقصر الثقافة في حدودها الأدبية أو الفكرية الضيقة، دون أن تشمل الميادين الأخرى مثل الاقتصاد والسياسة والمجتمع. إنها نظرة "قاصرة ومبتورة بعد أن تبين أن التنمية لها أبعاد شتى وأن البعد الثقافي لا يقل شأنا عن بقية الأبعاد. ولعله من المستنكر أن ينظر إلى الثقافة على أنها الأدب وما دار في محيطه وأن الثقافة بهذا المعنى القاصر ليس لها دور مباشر وفعال في التنمية، وأن المثقفين ضمن هذا الإطار ينتظر منهم أن يكونوا بمعزل عن التنمية وأن عطاءهم الإبداعي هو غاية في حد ذاته وليس من الضروري أن تكون محصلته ذات دور في التوعية المجتمعية أو التنمية الشاملة"([14]).

الصفحات