عندما لا تتحقق الشروط الضرورية, يخفق العمل الفني في توليد الأثر الذي يريده الكاتب. مما يوسع دائرة النقد والإطلاع معاً, هل النظام نمطاً جمالياً في الأعمال الأدبية؟ هل الضوابط والقوانين والقواعد التي يتبعها الكاتب عادة هي من تراتيل العمل الأدبي؟
أنت هنا
قراءة كتاب لذة الـقراءة في أدب الرواية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 6
وإذا ابتعدنا عن حيثيات الرواية وسردها وعالجنا مطرحها, فإننا نجد أنفسنا أمام فلسفة هائلة, قلما نجدها في الروايات المكتوبة اليوم, إنها تتكون من الصمت حين يكون هذا الصمت أداة هائلة للاستفهام أو الصوت كأداة للتوصيل,وبين الصوت والصمت الذي خلق منه الكون على هذه الطريقة وجدنا أنفسنا تائهين بين مشاعرنا ومشاعر الآخرين بين حياتنا وموتنا, بين ما نحب أن نملك ونخاف أن نفقد, فإذا بنا نركض في دائرة, تدور كذلك, كيف نقف, كيف نصل ومتى, متى نحيا ومتى نموت, ماذا نريد وماذا يريدون لنا, لنبرأ من خطايانا أو يبرأ الآخرون من نوايانا, بالمحصلة, الدهشة المزروعة بيننا كيفما أدرت وجهك, تصفعك, فإذا بوطنٍ موشوم ذاكرة لجسد, محفور من فوضى المشاعر والأحاسيس, خارجاً للتو من ثورة المليون شهيد, متماسكاً أمام سوسه الداخلي وها هو الآن يتهالك حين يصبح الوطن عدو للعقيدة والفكرة والسلام, بين قسنطينة وقبور الأقلام تقف الكاتبة لتكشف عن مادة المغامرة المنكوبة, كل ذلك ضمن الأدب, لأن ذلك يساعدنا على الشفاء من الرومانسية والخيال في مواجهة تسلية مشاعرنا ووهمها, إنها تجمّل الجزائر الدامي بهذا الوجه الجميل للحب والبحر والليل والجسور لأنها كأديبة لا يمكن أن تقنعنا بالشر, لكن تقف عنده لتخبرنا حجم الكارثة والمأساة والتفاوت بين العقيدة والممارسة, بين المشاعر والفعل فإذا بالكل يدخل أراد أم لم يريد في معركة, خاسرة, والطرف الضعيف هو الوطن الذي ما أن يستقبلهم من غربتهم بكل هذا الانفعال والاندهاش حتى يغرزون حقدهم في صدره, فإذا به, يبكي نفسه ومطرحه فتمتلئ رماله قبور وتتحول مبانيه إلى شاهدات لا أسماء عليها, وأقلامه إلى أعداء.
كتبت مرة أحلام مستغانمي في مجلة النهج الدورية عام 1995 قالت: « وطن يموت فيه الكتّاب بطرق مختلفة, ربما كان الانتحار أقلها ألماً وفجيعة ويعيشون فيه إذلالاً يومياً, ربما كان التشرد أقلها إهانة ويعودون إليه, لكي يدفنوا أقربائهم أو ليتفقدوا من بقي منهم على قيد الحياة يعودون متنكرين, مرعوبين, مختبئين, كالفئران في بيوت أقارب لهم, مذهولين من أمرهم.
أكل هذا لأن في حوزتهم أوراقاً وأقلاماً في زمن لم يعد فيه حتى حمل السلاح أو المتفجرات يتطلب رخصة».
إذن: هكذا يتكوّن المـشـهد عـنـد الكاتـبـة بعنايـة فـائـقـة, بـدايـةً,
تكوين المطروح, ثم الوصول إلى ذروة الإحساس بالتمسك بالقانون الطبيعي كنتاج للتأسيس, دون الخلط في النتائج, مع المحافظة على سؤالها: لِمَّ يكون الميلاد واحداً من رحم... ويتعدد الموت إلى هذا الحد؟ وما دامت القضايا التي ندافع عنها ماتت واندثرت, كيف تضيق الحياة كلما حككنا يدينا باليد الأخرى لتكون الأمور في النهاية تنازلات ليست في يد البشر بل في قوة إلهية منتظرة, وهكذا تكشف هذه الموجات ثنائية الحد من الإيمان ومن المواجهات إلى الإيديولوجيات التي أفقدت من عقولنا ترتيب الأمور كما يجب, بحيث أغلقت عقولنا على التعصب الأعمى في مواجهة المختلف, إنها الجزائر فدية الخطايا, وإذا كانت مشاعرنا خاوية وعيوننا معصوبة ما الذي نخاف عليه, وماذا نجني من قتل أنفسنا ووطننا.
مرعوبة الكاتبة تعود من قبور أحلام وقبور مشاعر ودفن أحاسيس وتحّكم الحب هذا الشاهد علينا بقدر حاجتنا إليه لتدفع به ظلم الموت وجبروته وتكبره أما الأحلام قلقة, بالثقل والعبء والعزلة والفرادة, إنها لعب أحجار متراكمة وواقع موبوء ومتخلف حتى بالمشاعر والأحاسيس, وإذا لا نجد مبرراً لكل هذا الموت فإنها تلعب, إنها تحاول أن تضع كلاً في مكانه الطبيعي , وتمضي في تحريك هذه الأحجار والأحاسيس بالقدر الممكن لتحريك مشاعرنا وأحاسيسنا.
حلم ينتج نوع من الحلم الضروري وإن كان يتعلق بشكل مباشر أو غير مباشر بالواقع فإنه بالنهاية, حيث الوهم لا يكون خيالاً, لذلك تلجأ إلى التزود بافتتان بأقاليم الحزن عندك, فتشرد قصائدها, غزو لمساحات شاسعة خاوية, إنـه المـكـان الصحيح لـقـول الحقيقة فـي هـذا
الزمن, بالمعنى الحقيقي وبهذه الطريقة شعر.


