أنت هنا

قراءة كتاب الطلياني

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
الطلياني

الطلياني

رواية " الطلياني " ، للمؤلف التونسي شكري المبخوت ، والذي صدر عن دار التنوير للنشر والتوزيع - لبنان

تقييمك:
4
Average: 4 (6 votes)
المؤلف:
الصفحة رقم: 2

حين وصلنا إلى مكان الدّفن علت أصوات المكبّرين من كلّ جانب. وُضِع التّابوت قرب حفرة القبر وشرع في قراءة الفاتحة ثمّ تتالت الأدعية. لم يبسط عبد الناصر يديه عند تلاوة الفاتحة وترديد الأدعية دون بقية الخلق المتحلّقين حول القبر والتّابوت. رأيته شاخصًا في جارهم الإمام الذي كان يتحاشى أن ينظر إليه ويتعمّد تلاوة القرآن وترديد الأدعية مغمضا عينيه. كانت عمامته تكاد تحجب تينك العينين.

بدا عبد النّاصر متوتّرًا. ربّت خاله على كتفه ثمّ تفطّن صلاح الدين إلى توتّره فعانق أخاه الصّغير. سالت على خدّيه دمعات حين احتضنه. أغمض عينيه ومسح دموعه. ما إن فتحهما حتى رأى الإمام داخل الحفرة على يساره يتسلّم الجثّة استعدادًا للحدها.

لا أحد من الجمع الغفير المتحلّق حول القبر فهم لِمَ علا صراخ الإمام. لم يشهد الحادثة إلّا من كان في الدّوائر الأولى.

-«يلعن دين والديك، يا منافق، يا نذل، يا ساقط، اُخرج من غادي يا نيـ***..».

كان الإمام يتأوّه ويئنّ أنينًا مرًّا. نزفت الدّماء من فمه فاختلطت بقميصه السّكري وبدعيّته فاتحة اللّون ولطّخت قطرات منها جواربه البيضاء. كان يتألّم ويتوجّع في شبه غيبوبة.

تعالى الصّخب واختلطت الأصوات: «الإمام غارق في دمائه»، «عبد النّاصر الطلياني ضرب الإمام»، «لقد جنّ ابن الحاج محمود المسكين»، «لا أدري ماذا وقع، لا أرى إلّا الإمام ينزف فمه دمًا»، «الطلياني يصرخ ويسبّ الإمام»، «ابن الحاج في حالة هستيريا»، «عيب والله عيب أن يقع هذا في جنازة»، «أستغفر الله العظيم، عشنا وشفنا»، « استرنا يا ربّ».

من كانوا في الدّائرة الأولى رأوْا عبد النّاصر يوجّه ضربة بحذاء « البرودكان» إلى وجه الإمام الذي كان في الحفرة يستعدّ لدفن المرحوم. كانت صرفقتها مسموعة ممّا يدلّ على قوّتها. دخل عبد النّاصر في حالة هيجان صارخا يرمي الإمام الشّيخ علّالة بأقذع النّعوت التي لا تليق إلّا بأسافل القوم. لم يكفه ذلك، ارتمى عليه يريد إشباعه لكمًا وربّما نوى خنقه لولا أنّني انتزعته منه ثمّ أخذته مع بعض الأصدقاء بعيدًا وهو سادر في صياحه وسبابه وتهديده، يرغي ويزبد إلى أن فقد الوعي.

عجّل الحاضرون بدفن الحاج محمود ولم يقف أيّ من أفراد العائلة لتقبّل العزاء من الحاضرين. فقد ألهت الدّهشةُ الجميعَ، صلاح الدين والخال توفيق وكبار العائلة والمعزّين أيضا، عن إتمام مراسم التعزية.

حصل هذا في أواخر شهر جوان أو بداية شهر جويلية من سنة 1990 تاريخ وفاة الحاج محمود. كان الحاضرون يومها، قد عاينوا أوّل فضيحة في الحيّ، وربّما في البلاد، يذهب ضحيّتها الميّت.

الصفحات