You are here

قراءة كتاب هناك في سمرقند

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
هناك في سمرقند

هناك في سمرقند

رواية "هناك في سمرقند"؛ للكاتب الفلسطيني أسعد الأسعد، الصادرة عام 2012 عن دار الجندي للنشر والتوزيع، نقرأ من أجوائها:

تقييمك:
0
No votes yet
المؤلف:
دار النشر: دار الجندي
الصفحة رقم: 9
مدت يدها إلى اللثام كأنما تتأكد من أنه يغطي وجهها خجلاً، وسألت الشيخ:
 
- وأين هو الآن؟
 
- ضاع في زحمة وليمة والدك. بحثت عنه، ولم أجده، وأنا قلق عليه.
 
- لماذا لا تسأل الشرطة عنه؟ ربما احتجزوه لأمرٍ ما.
 
- لا يزال الوقت مبكرًا، سوف انتظر اليوم، فإن لم يظهر، أسأل عنه الشرطة.
 
- حسن.. هل لك أن تخبرني إذا عرفت شيئًا عنه؟
 
ابتسم بختيار، فيما كانت ثريا ترد اللثام على وجهها استعدادًا لمغادرة المكان.
 
- احذري يا ابنتي؛ إذا علم الحاج عبد الرحمن بالأمر، سوف تكون العواقب وخيمة علينا جميعًا.
 
- لا أحد يعلم بالأمر، إلا أنا وأنت.
 
- سرّكما في بئر. اطمئني...
 
أحس بختيار بأنَّ عليه أن يجد علي شير. صعد الدرج المؤدي إلى الضريح، وألقى بجسده المنهك على المقعد الخشبي، فيما أحاطت به النسوة يتدافعن أمامه، وعلى لسان كل واحدة قصة، وحكاية للشيخ ترويها، وتمنيات بجواب، أو تفسير، يشفي غليلها، لكن قلب الشيخ غادر مع ثريا، وتركه معلقًا يتأرجح، تارة عند علي شير، وأخرى عند ثريا.. ماذا عساه أن يفعل؟
 
أحس بثقل الهمّ الذي ألزم نفسه به، لكنه قرر أن يمضي قدمًا في تحمل مسؤوليته مهما كلفه الأمر.
 
أسرع إلى خلوته المجاورة للضريح، وراح يستقبلهن واحدة تلو الأخرى، محاولاً الاختصار ما أمكن، وعدم الإطالة ما استطاع.
 
تنفّس بختيار الصعداء وهو يودّع آخر زبائنه من النساء، وقبل أن تأتيه امرأة أخرى، أسرع إلى إغلاق مكتبه، وهرول مبتعدًا عن الضريح، باحثًا عن سيارة أجرة تحمِله إلى مركز المدينة قريبًا من ريغستان، ليس بعيدًا عن المنارة، حيث القاعة الكبيرة، التي ضيع علي شير فيها، وليس بعيداً عن المكان ذاته، الذي كان فيه صباح ذلك اليوم الخريفي. طلب من السائق التوقف عند شجرة البتول التي بدأت تتعرى، منذ أن بدأ الخريف يضرب أوراق الشجر، ويعرّي أغصانها، كأنها تستعد للمطر القادم بعد قليل، وقد تأخر هذا العام، ربما انتظارًا لسقوط ما تبقّى من أوراقها، تنفض عنها الغبار الذي يهب من التلال المحيطة بالمدينة.
 
توقف بختيار، وراح يحدّق في الساحة الممتدة أمامه، حيث تقاطرت مجموعة من السائحين أمام مدخل المدرسة؛ بعضهم كان يهمّ بالدخول، والبعض الآخر يفاوض باعة التحف التذكارية في عرائشهم المنصوبة أمام المدخل، وعدد من الصبية، فتيانًا وفتيات، يلحّون على السائحين لشراء بضاعتهم، فيما انتشر عدد من رجال الأمن والشرطة، غير المسلحين، في مشهد مألوف، لا يضجر أحدًا، ولا يعكر صفو الحياة ورتابتها، في مدينة لا يزال التاريخ أحد أهم عناصر تكوينها المديني. أفاق من شروده على صوت امرأة تمسك بيد طفل يصرخ. حدَّق بها وبالطفل الذي كان يحاول الإفلات منها:
 
- ماذا تريدين؟
 
- إنه يصرخ من الجوع. أعطني ما يكفي لشراء طعام...
 
كان الطفل يصرخ، والمرأة تشدّه بقسوة حتى يواصل صراخه. نقّدها ما تيسر من السومات، وهو لا يزال شاردًا يجول بناظريه أنحاء الساحة.

Pages