رواية "هناك في سمرقند"؛ للكاتب الفلسطيني أسعد الأسعد، الصادرة عام 2012 عن دار الجندي للنشر والتوزيع، نقرأ من أجوائها:
You are here
قراءة كتاب هناك في سمرقند
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية

هناك في سمرقند
الصفحة رقم: 10
ابتعدت الغجرية، فيما كف الطفل عن الصراخ. أفاق بختيار من شروده على صوت رجل يلومه على فعلته، فشوارع المدينة ملأى بالغجر المتسولين بطرق شتى؛ إنهم مجموعات، وكل عصابة تتبع مختارًا، أو كما يسمونه "ملك النّورِ"، يدير أعمالهم، ويوجههم، بل ويجترح طرقًا للتسول، لا تخطر ببال أحد؛ في صباح كل يوم، يحضرون أطفالاً بأعمار مختلفة، ويوزعونهم عليهن على أنهم أبناءهن، أما الفتيان فيختارون لهم عاهة يتقنون تصنعها، بشكل يصعب على الناظر اكتشاف زيفها.
- كل امرئ ونصيبه يا بني. قال بختيار وهو ينظر إلى الرجل مبتسمًا، ولسان حاله يقول: ليست أول مرة، ولن تكون الأخيرة، فرزق النَّاس على النَّاس، فلا تكن من قاطعي الأرزاق..
أحس بختيار بالوقت يمضي، وأنَّ عليه اللجوء إلى وسيلة أخرى في البحث عن علي شير. قرر مواصلة طريقه، لكنه فوجئ بشرطي يعترض طريقه:
- السلام عليك،م يا مولاي.
- وعلى الحكومة السلام.
- رأيتك تقف حائرًا، فهل من خطبٍ ما؟ إن كنت بحاجة إلى مساعدة، فهل لي أن أساعدك؟
نظر بختيار إلى الشرطي، مادًّا يده مصافحًا. ضرب رأسه برأس الشيخ يمينًا وشمالاً، كعادة أهل تلك البلاد عند السلام.
- أي بني، أنا بحاجة إلى مساعدتك. أمس صباحًا، حضرت مع ضيف عربي، اسمه علي شير، تلبية لدعوة الحاج عبد الرحمن، لكنني أضعته في زحمة المدعوين، الذين ضاقت بهم القاعة، وربما انشغالي بالسلام على مضيفنا الحاج، حال دون وصوله إلي. بحثت عنه منذ انتهى الحفل، ولم أعثر على أثر له في المدينة، فهل تساعدني بالبحث عنه لدى الشرطة، إذ ربما كان لديهم ما يفيدوننا به.
- سمعت أنَّ الشرطة اعتقلت بعض الشباب، بعد شجار أعقبه فوضى وعراك قرب باب القاعة، أدى إلى جرح عدد من الحاضرين، وقد أخبرني بعض زملائي من الشرطة، أنَّ سيارات الإسعاف نقلت بعضهم إلى المشافي القريبة.
- اسأل الشرطة يا بني، أما أنا، فسوف أسأل عنه في المشافي.
- رحمات.. شكرًا يا بني.. شكرًا.
انطلق بختيار إلى المشفى الرئيس والأكبر في المدينة، فيما توجه الشرطي إلى المخفر القريب، غير البعيد عن ساحة ريغستان، والمحاذية للبازار الكبير "شهرستان".
منذ (1873م)، انتشرت في المدينة عيادات محلية، أمر مندوب القيصر في حينه "كوفمان" بفتحها، واستقدم عشرات الممرضين والممرضات الروس، فقام هؤلاء بتعليم عدد كبير من الطلبة فنون الطب، وأسرار المهنة، وظل يطلق على هذه العيادات الاسم الروسي "غوسبيتال"، وكانت هذه العيادات والمشافي، تقام في أول الأمر داخل معسكرات الجيش القيصري، لأسباب أمنية، واستمرت كذلك بعد الثورة البلشفية، ولا تزال بعض هذه المشافي موجودة حتى اليوم، تقدم خدماتها للجمهور على اختلاف أعراقهم وانتماءاتهم الإثنية، وخصوصًا في المدن الكبيرة، حيثما كانت تتواجد ثكنات عسكرية، وتجمعات صناعية "برومزونه"، حيث كان البلاشفة يقيمون وحدات سكنية للعمال وعائلاتهم، قرب هذه التجمعات الصناعية، ويقيمون معها ما يلزم من المنشآت والمؤسسات الصحية والرياضية وغيرها... وانتشرت، ليس بعيدًا منها، الكولخوزات (القرى الزراعية التعاونية)، وكذلك "السوفخوزات" وهي قرى زراعية حكومية.
كان بختيار يتنقل من رصيف لآخر، متجنبُا الحفر، التي كانت تكثر كلما ابتعد عن الشارع الرئيس، إذ إن هذه الأزقة لا تزال على حالها منذ رحل البلاشفة العام (1991م)، وربما قبل ذلك بسنوات عديدة، رحل البلاشفة بعد سبعة عقود، وبعد أن استنفذوا كل ما لديهم من وسائل لبناء دولة العدل والمساواة، دون أن يحققوا حلمهم الأفلاطوني.
هنا في سمرقند، يمكن أن تمر بأحياء لم يجر عليها أي تغيير منذ مئات السنين، كأنهم أهل الكهف، أفاقوا بعد نوم طويل، وها هم يتلمسون طريقهم نحو المدنية والحضارة، وقد فعلوا الشيء الكثير، وحققوا في سنوات قليلة، ما لم يتحقق في عقود من حكم البلاشفة.

