الكتاب الحالي "فن الإصغاء" الذي ترجمه إلى اللغة العربية الكاتب والمترجم محمود منقذ الهاشمي، لا يتحدث عن التقنية التحليلية النفسية؛ وفعلاً، ففي رأي فروم، وضد زعم الكتب المدرسية عن التقنية التحليلية
You are here
قراءة كتاب فن الإصغاء
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
فروم ونظرية الأنظمة الحية
تحتل نظرية الأنظمة الحية في هذه الأيام مركز الصدارة في العلم. وتتم فيها رؤية أن التنظيم الذاتي، وبتعبير آخر، الاستقلال الذاتي، علامة الحياة الفارقة؛ وهذه الفكرة يتم سبرها في أنواع عدة من السياقات، فيدرسها على مستوى الخلايا هومبرتو ماتورانا Humberto Maturana وفرنشيسكو فاريلا Francisco Varela، وتدرسها على مستوى الأسرة مدرسة ميلانو، ويدرسها على مستوى المجتمع نيكلاس لومان Niclas Luhman. وفي كل هذه الحقول استكشف العلماء الأنظمة الحية، والكليات المتكاملة التي لا يمكن أن تُختزل خواصّها إلى خواص أجزاء أصغر منها. وتتيح نظرية الأنظمة طريقة جديدة في رؤية العالم وطريقة جديدة تُعرف بـ «التفكير على أساس الأنظمة» أو «التفكير النظامي» وهذا يعني التفكير على أساس السياق والعلاقات والنماذج والسيرورات. والأنظمة الحية ليست طولية ـ بل هي شبكات ـ على حين أن التراث العلمي التقليدي قائم على التفكير الطولي. وتقول نظرية الأنظمة إن ماهية الحياة لا تكمن في الجزئيات، بل في النماذج والسيرورات التي ترتبط بها هذه الجزئيات، ونماذج الحياة الأساسية هي طرق ترتيب العلاقات بين السيرورات البيولوجية.
والتحوّل الذي كان بالغ الإثارة في الفيزياء الحديثة كان تحولاً من رؤية العالم الفيزيائي بوصفه مجموعات من الكينونات المنفصلة إلى رؤية شبكة العلاقات. فما ندعوه جزءاً هو نموذج في تلك الشبكة من العلاقات قابل للتمييز لأن لأن له بعض الثبات. ويعتقد علماء نظرية الأنظمة بهذه الطريقة بدقة. وهم يقولون إن الكائن الحي يحدَّد بعلاقته بالبقية. فخواص الأشياء تنساب من علاقاتها. ورؤية العالم في نظرية الأنظمة إيكولوجية هوليسية، وتعني هوليسية أنها كلية ولكن كليتها ليست مجموع الأجزاء. وهذه الرؤية هي أكثر من ذلك. إنها لا تنظر إلى شيء بوصفه كُلاًّ وحسب بل وكيف يترسّخ هذا الكل في كُلاّت wholes أكبر. فكل نظام حي هو كل، والنظام الحي الأكبر هو الأرض. ويغدو هذا الأمر مهماً على وجه الخصوص عندما تُدرس الأنظمة الحية ـ الكائنات العضوية الحية، والأنظمة البيئية، وهلم جراً ـ ولكن يمكن أن يُستخدم كذلك بالنسبة إلى الأشياء غير الحية. والعالم هو، قبل كل شيء، كائن حي، ولم يعد نظاماً ميكانيكياً ميتاً بل هو نظام حي، له ذكاؤه، وله «تنبّهه»، كما قال غريغوري بيتسون Gregory Bateson.


