كتاب "في ذكرى رفيق" حول تجربة الشاعر الليبي "أحمد رفيق المهدي"، ولد من يكنى بـ ( شاعر الوطن ) ، فى وطن لم يكن وطنا فى زمن الوطن فيه هو الكون .. فى يناير 1898م .
You are here
قراءة كتاب في ذكرى رفيق
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
زيارة الشاعر
راشد الزبير السنوسى
لقد كانت الفترة الواقعة ما بين منتصف العشرينات ومطلع الستينات من هذا القرن مرحلة رفيق المهدوى . وبعيدا عن رفعه الى عنان السماء ، ومن حلق به دون ذلك ، فقد بقى شعره فى وجدان الأمة مرتبطا بنبضها ومرتهنا لمعاناة الوطن .وكان صوته الأقوى فى كل مناسبة وعباراته الأسرع إلى القلوب .
ولست فى محل الحكم على أسلوبه أو التعرض لأغراضه فذلك شأن تناولته الأقلام بكل استفاضة ولن أضيف جديدا إن خضت فيه ، ولكنني ونحن نستعد لمؤويته بما يليق به من تـكريم أحاول تجميع ما يخطر على الذاكرة من مشاهد عابرة ضمتها فترة ما بعد الطفولة وبداية الشباب.ولعل أول مرة أسمع فيها عن رفيق كانت سنة 1950م أو نحوها. كنت عندها فى الثانية عشرة من عمري أقطن قرية الأبيار على بعد ستين كيلو مترا من بنغازى .
فى تلك الفترة تفجرت أحداث أدت الى قيام تظاهرات اعتقل على إثرها بعض الأسماء التى كان لها نشاطها السياسي ومن بينهم شاعر الوطن أحمد رفيق .
أذكر زيارة قام بها الشيخ محمود دهيمش لوالدي فى الأبيار وهو صديق قديم ودائم الزيارة لنا ، وكانت الأحاديث فى ليل الأبيار الهادئ عما يدور من أحداث فى تلك الفترة متعة السمار ، وكنت أجلس غير بعيد أستمع إلى ما يدور من حديث متنوع هو لازمة من لوازم أجواء القرية المتسمة بالهدوء والصفاء وراحة البال ، وبينما كانت كاسات الشاى تدور يأتى صوت الشيخ محمود متأنيا وهو يردد بيتا من الشعر ينسبه إلى الشاعر أحمد رفيق أطلقه وهو يهم بدخول بوابة السجن . لقد ظل البيت ملتصقا بذهني منذ ذلك الوقت وحتى الآن:
إن تدخلوا السجن ما فى السجن من باس
فيـه الـكـرام وفيـه أحسـن النـاس .
ومرت الأيام وجاء عام 1952م عندها غادرت القرية باتجاه بنغازى لالتحق بالمدرسة الثانوية وحين عودتي فى إجازة نصف السنة، إن لم تخنى الذاكرة ، وجدت الشاعر الكبير ينزل فى ضيافة والدي بمنزلنا حيث جاء لقضاء عمل هناك . كنت أراه صباحا ومساء دون الاقترابمنه ؛ فقد كانت أول مرة يحل فيها ضيفا علينا لذلك لم أتمكن من مجالسته والاستماع الى ما كان يدور بينه وبين والدي وأعمامي ، ومع ذلك فقد شعرت بالغبطة وأنا أراه عن قرب لأن نظرة الكل إليه كانت تتسم بالود والإعزاز .
وخلال السنوات التالية وأنا أتابع دراستي الثانوية كنت أراه وهو يقطع ميدان البلدية متجها الى مقهى العرودى حيث يتخذ مجلسا قرب شباك المقهى المطل على الميدان ، ومجموعة اللاعبين بالزهر منهمكون فى لعبهم وهو يتطلع وقد أسند ذقنه على عصاه معتمرا غطاء رأسه المتميز والذي صار علامة مميزة يختص بها دون غيره .
لقد تشكل وجدان جيلنا ومن سبقه فى بوتقة أشعار رفيق ، وكانت شجاعته ونزاهته وطرافة أحاديثه معابر حاولنا أن ننفذ من خلالها إلى عالمه المسكون بهاجس اسمه الوطن بمعناه الواسع.
وكانت سمته البارزة الإسهام فى أغلب المناسبات العامة والخاصة بشعره ، وقد التقت عنده المشارب وألقت إليه بقيادها .
وقد حفلت فترة الأربعينات والخمسينات بنشاط أدبي مميز خصوصا فى مجال الشعر ، وحملت صحف : الوطن ، برقة الجديدة، الدفاع ، الزمان ، البشائر ، عبأ احتضان النشاط الثقافي فى بنغازى، وكانت هذه الصحف تصدر فى صفحة أو صفحتين على الأكثر ومع ذلك فلم تكن تتردد فى نشر القصائد فى صدر صفحتها الأولى تعبيرا عن تقديرها لهذا الفن . وكان رفيق يدخل فى الحوارات الشعرية إما طرفا فيها أو حكما كما حدث فى الحوار الشعري الذى اتخذ عنواناله " اخنق ونفس"، و فى كل الحالات فقد كان تواجده يعطى نكهة مميزة سواء كان طرفا أو حكما.ولعل قارئ شعره يحس صدقه فى أغلب مايكتبه فهو صادق شديد اللهفة على وطنه الصغير :
يا من على البعد نهواه ويهوانا
لشد ما شفنا شــوق فأضنانا
صادق حين يتوجه بالخطاب لمواطن الصبا وملاعب الذكريات :
ومن سوانا جديـــــر بالبكاء
على ذكر الفويهات والبركا وجليانا
وهو حاضر فى كل مناسبة لسانا صادقا وإحساسا مرهفا يهزه اندحار إيطاليا فى الحرب :
قد "انتلف" الحمار بأم عمرو
فلا رجعـت ولا رجع الحمار
ولاحظ استخدامه لكلمة ( انتلف ) وهى وان كانت عامية ذات أصول عربية لكنها تزاحم أكثر الألفاظ فصاحة فى دقة التعبيرعن الموقف المراد الحديث عنه .
إنه باختصار لا ينطق إلا حينما تهتز أعماقه فيأتي الشعر سهلا سلسا ، وحتى قاموسه العامي لا يطعم به شعره عن عجز ولكنه يوظف اختياراته ليزرعه فوق الثغور نغما يلهج الناس بترديده .
فتحية للشعر فى الذكرى المئوية لابرز شعراء ليبيا فى هذا القرن.
*بنغازى فى :10-3-1998م


