كتاب " عصر إنحطاط الإمبريالية " ، تأليف أحمد عز الدين ، والذي صدر عن مكتبة مدبولي عام 2006 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
You are here
قراءة كتاب عصر إنحطاط الإمبريالية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

عصر إنحطاط الإمبريالية
مع ذلك وللأسف الشديد ، فلست أعتقد أن الإدارة الأمريكية ، يمكن أن تأخذ بالنصح ، وأن تفكر فى نطاق الزمن التاريخى ، لسبب آخر غير تلك الأسباب المتداولة عن التكوين الذاتى لهذه الإدارة ، ورموزها ، وهو أن الذاكرة الاستراتيجية ، هى جزء من الذاكرة التاريخية ، وما تزال المساحة المضيئة فى هذه الذاكرة الأمريكية ، مجبولة على تحقيق نصر حاسم ، وسيادة مطلقة ، على غرار ما حققته فى حربها الداخلية ، أو حروبها ضد الاستعمار الأسبانى ، أو فى الحربين العالميتين الأولى والثانية .
أما دروس كوريا وفيتنام وغيرها ، عندما خذلتها ذاكرتها التاريخية ، فقد بقيت جزرا مطمورة ، فى محيط إرث إمبريالى طويل ، ذلك أن الحاسة الاستعمارية مجبولة بدورها على أن تنفى منطق العقل ، لأن الحكمة السياسية ،-كما قال أفلاطون- هى أم الحكمة العسكرية .
* * *
أننى لست معنيا فى الحقيقة بمسألة بذل النصح للإدارة الأمريكية ، فهى لا تنطوى على جدوى ، لأنه تكليف للأشياء ضد طباعها ، { ومكلف الأشياء ضد طباعها}-كما يقول الشاعر العربى القديم- { متطلب فى الماء جذوة نار } ، ولكننى أريد أن التفت إلى مفارقة موازية على الجانب الآخر ، ذلك أن أغلب الوجوه المكررة فى الإعلام المصرى ، والتى تقدم على أنها تمثل خبرات استراتيجية ، لا يبدو خطابها على أنه تفكير خارج سياق الزمن التاريخى فحسب ، ولكنه يبدو-أيضا- على أنه تفكير خارج نطاق حقائق الجغرافيا السياسية ، وليست المشكلة فى ذلك أن التفكير مصريا خارج نطاق الزمن ، ينطوى على استبعاد للذاكرة التاريخية الوطنية ، فهى تتنفس حية فى الفضاء الشعبى ، ولكن فى أن التفكير خارج نطاق الجغرافيا السياسية، يكرس منطقا مأزوما، بأن طلب النجاة والسلامة، إنما يتطلب أن تسحب مصر أطرافها بعيدا عن الحريق الكبير ، وأن تنقل مساكنها ، ومصالحها ، ودوائر تحركها ، خارج ساحة الزلزال ، وأن تتوقى الخطر بدرء مشاكل الإقليم عنها ، وألا تمارس بالقول أو بالفعل ، ما يمكن أن يعد عملا معيقا لاكتمال عملية الانقلاب الاستراتيجى ، الذى تدفعه القوة العسكرية الأمريكية فى أوضاع الإقليم .
إن هذا المنطق المأزوم لطلب النجاة والسلامة ، لا يحقق سلامة ، ولا يؤمن نجاة ، ولكنه يقود إلى تصفية المكانة الدولية لمصر ، بعد تجريف دورها الإقليمى ، باعتبار أن الدور الإقليمى هو مفتاح المكانة الدولية .
ثم أنه يقود-أيضا- فى دولة ذات طبيعة فيضية تاريخية ، إلى احتباس طاقتها داخل حدودها ، وكما ينتهى إلى إشاعة وهن وطنى عام ، فإنه وهو الأخطر ينتهى إلى اختلاق أشكال مبتكرة من الاحتراب الداخلى ، ويعمم تلك النظرية التى يروج لها وكلاء أمريكا فى مصر ، التى يقول منطوقها بالنص : " أن العدو فى الداخل " .
وإذا كان من المهم التوقف أمام هذا المنهج المأزوم ، فإن ذلك يقتضى تحديد أهم الصيغ التى يعبر بها عن نفسه ، ولعله يمكن تركيزها كما يلى :
أولا : تخفيض درجة الإحساس الوطنى بالخطر .
ثانيا: غض البصر عن التهديدات الاستراتيجية المستجدة ، التى تترتب على متغيرات تتسم بالعنف والحدة ، تعيد تشكيل البيئة الاستراتيجية الإقليمية بالقوة .
ثالثا: تقزيم مفهوم الأمن القومى ، فى تعبير ضيق لصيانة الأمن العام ، داخل حدود مخفورة عسكريا ، وليست محصنة استراتيجيا .
رابعا: الحض على استراتيجية الملاينة ، وتزيينها ، والترويج لفضائلها ومنافعها ، واستبعاد ثقافة المقاومة ، وذمها وتشويها ، والتحقير من شأنها .
* * *
يبدأ تخفيض درجة الإحساس الوطنى بالخطر ، باختيار مفردات اللغة المستخدمة فى الخطاب الإعلامى والسياسى ، حيث يصبح العدوان غير المشروع حربا ، والاحتلال تواجدا ، وتدمير الدولة العراقية ، إسقاطا للنظام ، وإبادة الشعب العراقى ، وإطلاق يد الفوضى فى أركانه ، " أعمالا عسكرية فى العراق " ،.
وينتهى تخفيض درجة الإحساس الوطنى بالخطر ، بمحاولة حقن الرأى العام ، بقناعة مؤداها ، أن ما حدث فى العراق ، هو الاستثناء ، وأنه لن يشكل قاعدة لتوجه أمريكى فى الإقليم ، ولن يطول دولا عربية أخرى ، وأنه غير قابل للتكرار ، والحقيقة أن هذين الأسلوبين ، قد تكررا بشكل نمطى فى تجربة ضرب أفغانستان ، فعندما جاء الجنرال (تومى فرانكس) إلى القاهرة ، قبيل بدء الحملة العسكرية الأمريكية ضد أفغانستان ، قال فى خطاب علنى ، " أنه ليست هناك خطط أمريكية لضرب أية دولة عربية ، وخص العراق بالتحديد ، ثم اندفعت بعده التأكيدات من أفواه إعلامية ودبلوماسية مصرية ، بأن أفغانستان حالة خاصة ، سببها إعادة الاعتبار إلى الأمن القومى الأمريكى ، والذى أهانته أحداث 11 من سبتمبر ، بل بلغت هذه التأكيدات بخصوصية الحالة الأفغانية وتفردها ، حدا لم يجر على فم مسئول أمريكي.

