You are here

قراءة كتاب عصر إنحطاط الإمبريالية

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
عصر إنحطاط الإمبريالية

عصر إنحطاط الإمبريالية

كتاب " عصر إنحطاط الإمبريالية " ، تأليف أحمد عز الدين ، والذي صدر عن مكتبة مدبولي عام 2006 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
No votes yet
المؤلف:
دار النشر: مكتبة مدبولي
الصفحة رقم: 9

أتصور أنه لا سبيل إلى الوصول إلى استطلاع أولى ، لبعض النتائج والآثار التى ستلحق بالأوضاع الدولية والإقليمية ، من جراء الحرب الأمريكية الجديدة ، التى سيقع فاصلها الافتتاحى ، على مرمى أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، سوى البدء من مركز الانفجار الكبير الذى حدث داخل الولايات المتحدة ، وأتصور أيضا أن أهم ما يستحق التوقف عند حافة مركز هذا الانفجار ، هو ظاهرة ذات وجهين متقابلين واضحين:

الأول : تلك الطفرة الهائلة المباغتة فى بنية الإرهاب ، التى عكسها أداء ونتائج الهجوم الانتحارى .

الثانى : تلك الصدمة المروعة ، التى عكسها انهيار مراكز القيادة والسيطرة ، سياسيا، وعسكريا ، وأمنيا ، لعدة ساعات فى الولايات المتحدة الأمريكية .

ولقد بدا كلا الأمرين وكأنه ينطوى على مفاجأة كبيرة ، غير محسوبة ، وغير متوقعة ، ولهذا فإن السؤال الذى أخذ يتكرر وبصيغ مختلفة هو : أى الوجهين السابقين كان نتيجة للآخر ، وأيهما كان سببا له ؟ ، مع أن السؤال قد وضع فى غير مكانه الصحيح ، لأننا إما أن ننتهى إلى تفسير ضعف الثانى بقوة الأول ، أو ننتهى إلى تفسير قوة الأول بضعف الثانى، مع أن العلاقة بينهما تشتبك فى مساحة أوسع وأعمق من لحظة المواجهة .

لماذا ؟ لأن الولايات المتحدة الأمريكية هى المسئولة عن توحش ظاهرة الإرهاب ، وإفراز صورة بالغة التطور منها ، ليس بالمعنى الذى يتم تداوله الآن ، أى بسبب سلوكها على المستوى الدولى ، الذى تميز بالغطرسة ، والأنانية ، وفقدان العدالة ، والإكراه السياسى والاقتصادى والاجتماعى ، مع أن ذلك كله يتسم بالصحة ، وإنما لسبب آخر تماما يتعلق بطبيعة أدوات تلك الاستراتيجية العسكرية الأمريكية ، التى كانت حرب الخليج ، ثم حرب البلقان ، أكثر صورها وفصولها ، وضوحا وتداولا ، بمعنى أن ملامح هذه الاستراتيجية الأمريكية ، وأدواتها ، هى التى أفرزت هذه الصورة المتطورة من الإرهاب ، وأكسبت بنيتها الذاتية ، تلك الطفرة الهائلة ، التى مكنتها من أن تلعب فى سماء أمريكا المفتوحة ، مباراة دموية من طرف واحد .

لقد سبق قبل خمس سنوات أن أطلقت على أبعاد هذا التحول فى الاستراتيجية الأمريكية ، تعبيرا لمفكر صينى قديم هو : " استراتيجية ضرب البيض بالأحجار " ، لكن الأهم أن أوضح محددات هذه الاستراتيجية الأمريكية ، التى فرضت على الإرهاب تطويره وطفرته الجديدة ، يمكن رصدها بالتوقف عند المحطات التالية :

أولا : على امتداد التطور الإنسانى ظل توسيع مسافة الرمى والقتل ، يمثل عبئا على قيم الإنسانية ، وإذا كان شكسبير –مثلا- اعتبر الأسلحة النارية من اختراع الشيطان فإن (الإلياذة) التى يقول الغرب إنه ورثها مع الحضارة الإغريقية التى تشكل واحدا من ثلاثة مصادر لمنظومته الفكرية والحضارية ، تصف (باريس) الذى اختطف (هيلين) وقتل (أخيل) بأنه ضعيف وامرأة ، لأنه كان يستخدم القوس من بعيد ، و لا يستخدم السيف كالفرسان، لكن الثابت مع ذلك أن التطوير لم يلحق بقوة النيران ، وإنما لحق أيضا بمسافة الرمى ، مثلما انتهى قبل سنوات قليلة تقرير لمعهد دراسات الشرق الأوسط فى واشنطن ، من أنه " أمام تزايد المقاومة فى الشمال أو الغرب ، للخسائر البشرية التى يمكن أن تترتب على اخضاع الجنوب بالقوة ، فإن الخيار الوحيد عسكريا أما الشمال ، هو استخدام القصف من الفضاء لأنه يمثل قدرة جديدة على العقاب ، دون إلحاق خسائر بشرية بالغرب" ، ولهذا فإن الولايات المتحدة الأمريكية عمدت، لإيصال نسبة خسائرها البشرية فى المواجهات العسكرية ، إلى ما يقرب من درجة الصفر ، إلى تطوير أهم أدواتها العسكرية ، نحو القصف من الفضاء ، أى توسيع مدى الرمى ، ولم تجرب الولايات المتحدة الصاروخ (توماهوك) فى مسرح عمليات فعلى ، قبل عملية عاصفة الصحراء ،( 282 صاروخا )رغم أن هذا الصاروخ قد صمم أصلا ليؤدى دورا فى منظومة الردع الاستراتيجى ضد الاتحاد السوفيتى السابق ، لكن وزارة الدفاع الأمريكية وجدت فيه بعد حرب الخليج ، ضالتها المنشودة ، فحولته إلى سلاح أساسى للردع الفورى والممتد ، وترتب على ذلك أن قامت الولايات المتحدة بتطوير الصاروخ ، وتزويده بنظام اكتشاف حرارى ، وبإمكانية أضافية لإعادة برمجته على إحداثيات الهدف أثناء الطيران ، ثم قامت فى غضون ذلك بوضع خطة لإنتاج 2830صاروخا تمثل جيلا جديدا منه تحت أسماء بلوك 2 وبلوك 3 ، وأضافته إلى تسليح 90 سفينة حربية ومائة غواصة نووية .

وفى المحصلة النهائية فقد أصبح اتجاه القصف من الفضاء لمنع الخسائر البشرية التى لا يتحملها المجتمع الأمريكى هو الأكثر بروزا فى أدوات الاستراتيجية الأمريكية ، ومع تطوير تكنولوجيا الحرب فقد ساعد ذلك على زيادة الخسائر البشرية التى يتكبدها الطرف الآخر.

ثانيا: لقد ترتب على ذلك فى العمليات العسكرية ، التى اعتمدت أساسا على مبدأ القصف من الفضاء ، ليس فقط تكثيف القوى ومصادر النيران وتعزيز المباغتة ، وزيادة الخسائر البشرية للخصم ، وإنما ترتب عليه فى المستوى العملى تداخل شديد بين ما هو مدنى ، وما هو عسكرى ، فالقصف المكثف من الفضاء ، واتساع مصادر القوى ، قد أدى عمليا إلى تحميل الجانب المدنى فى الدولة المتعرضة للهجوم لخسائر بشرية ومادية كبيرة ، خارج القطاع العسكرى ، وبالتالى بدا أن مواثيق الحروب التى جاهدت الإنسانية قرونا طويلة لكى تخلق من خلالها ، نوعا من أنسنة الحرب فى طريقها إلى الأفول ، مما يعنى العودة إلى الحدود ، التى كانت عليها الحروب قبل ثلاثة قرون ونصف قرن ، عندما كانت المسافات غير قائمة بين الحكومات والشعوب ، والمدنى والعسكرى .

ساعد على زيادة تاثير ذلك تطور تكنولوجيا السلاح الذى جعل الخروج على القوانين، التى كابدت الإنسانية طويلا لصياغتها واعتمادها ، أشد أذى وأوسع تدميرا ، فقبل مائة عام فقط ، كانت أكثر قدرات المدفعية البحرية تطورا فى قوة النيران ومسافة الرمى ، لا تزيد على إطلاق قذيفة تزن طنا واحدا لمسافة لا تزيد على 15 ميلا.

ثالثا: فى إطار ذلك أعاد الأمريكيون توصيف القوة ، وأعادوها إلى معناها الاصطلاحى فى أوج الظاهرة الاستعمارية أى القوة العسكرية المطلقة ، كما كادت المسافة بين تعبيرى القوة والحقيقة أن تتلاشى ، فقد أصبحت الحقيقة هى القوة ، والقوة المطلقة هى الحقيقة المطلقة ، التى تعتبر نفسها مطلقة الإرادة ، مطلقة الحق ، وأنها مرجعية نفسها ، باعتبارها- وليس الليبرالية كما قال فوكوياما- الكلمة الأخيرة فى تاريخ البشرية ، ولقد نما هذا التحول ، على قاعدة من إعادة بناء مفهوم الأمن من الأمن النسبى أو توازن الأمن ، إلى مفهوم جديد ، هو الأمن المطلق ، وأمام هذا الأمن المطلق ، لم يعد الآخر بنزعته الاستعلائية المحصنة بالقوة يعبأ ، لا بضيق السلطات المحلية ، ولا بغضب الشعوب ، ولا بإضافة مزيد من الاجهاد إلى أنظمة يعصف بها الإجهاد، كما أنه على المستوى العملى، لم يعد يتوقف أمام حجم التدمير ، أو نزيف الدم ، طالما بقيت بنيته المادية والبشرية بالأساس معزولة عن ميدان المعارك المفتوحة فى الجنوب ، وطالما بقى جنوده فى منجى من الخسائر المؤثرة ، ولذلك فإن مفهوم الجنوب فى فقه هذا التحول ذاته ، لم يعد معطى جغرافيا ، وإنما معطى حضاريا ، فالجنوب على وجه التحديد ما ليس شمالا ، والشرق ما ليس غــربا ، ( ولــهذا تتم معاملة إســرائيل على أنهــا الشمال فى الجنــوب ، أو الغــرب فى الشرق ) .

رابعا : على الجانب العملى أو العملياتى ، فقد تم إسناد الاعمدة الثلاثة السابقة ، إلى جغرافيا الجنوب ، وإلى جغرافيا الشرق الأوسط تحديدا ، فالأغلب الأعم ، من العمليات العسكرية ، التى نفذتها القوات الأمريكية ، خلال الحقبة الأخيرة والسابقة ، تمت فى دائرة استراتيجية واحدة ، هى الشرق الأوسط بتخومه الآسيوية والإفريقية ، وباستثناء حرب البلقان ، فإن جميع الوحدات التى طالها التدخل بالقوة العسكرية ، كانت عربية وإسلامية ( هجمة طرابلس - عاصفة الصحراء - ثعلب الصحراء - تداعيات ما بعد العاصفة والثعلب - التدخل بقوة فى الصومال - قصف السودان - وحتى الهجوم على أفغانستان فى سبتمبر 1997 كان هدفه المعلن ضرب الأفغان العرب ) ، فى الوقت الذى لم تكف فيه الماكينة الفكرية والبحثية الاستراتيجية فى الولايات المتحدة ، عن وضع الشرق الأوسط وتخومه الآسيوية والإفريقية فى قلب اهتماماتها ، ومسارح عملياتها المستقبلية ، بدءا من أطروحات "هنتينجتون" عن الحدود الدامية للإسلام ، والصدام الحضارى القادم بين الحضارة الغربية ، وبين خط التفاعل أو التلاحم ، بين الحضارة العربية الإسلامية، والحضارة الآسيوية، وانتهاءا بأكوام من الدراسات تعكس ما يمثله الشرق الأوسط من تحديات مستجدة فى القرن الجديد ، على شاكلة دراسة (شارلز وليام ) : الشرق الأوسط فى القرن الواحد والعشرين ، والتى رأت أن التحولات السكانية فى الشرق الأوسط ، فى أفقها المنظور ستبدل تاريخ المنطقة ، وستمثل أحد أهم تحولات التاريخ الضخمة ، وأكبر تحد للوضع الأمريكى فيه ، خلال القرن الجديد.

* * *

Pages