كتاب " قضايا قيد التكوين " ، تأليف د. حسن خليل ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2011 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
You are here
قراءة كتاب قضايا قيد التكوين
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

قضايا قيد التكوين
من الضروري، إذن العودة إلى اصل القضية المرتبطة بالوظيفة السياسية لمجمل القضايا التي تُطرح على الصعد كافة ومن الاتجاهات السياسية والاجتماعية والفكرية والأيديولوجية كافة لتبيان استهدافاتها الحقيقية وطرح المقاربات الضرورية لها. إن مقاربة الأمور يجب أن تتم من خلال تقديم القضايا بوضوح دون لبس أو غموض أو حتى خجل أو مواربة. بذلك يصبح النقاش أكثر فاعلية وإنتاجا. إن طرح قضية بحجم الهوية الوطنية مثلاً لا يمكن عزله مطلقا عن طرح القضية الاجتماعية والفكرية والاقتصادية وغيرها. لا تناقض ما بين تلك الأمور على الرغم من محاولات الكثير فصلها بعضها عن بعض، أي بمعنى آخر أخذ الأمور بالقطعة أي "بالمفرق" وذلك لتسهيل استهدافها من جانب واستخدامها واستغلالها من جانب آخر. ان طرح قضية التعددية لا يمكن أن يكون إلّا من زاوية الاعتراف بثقافة الآخر وبشخصيته وضرورة تقبله. من هنا تصبح عملية التعدد قضية رأي عام فاعل ومتفاعل، منتج لثقافة مشتركة ومرتبطة بواقع اجتماعي وسياسي واضح ومتساوٍ أقله في مصادر الحياة وامكانية العيش المحترم بكل كرامة في ظل نظام عادل بكل المقايس وفي كل القضايا.
ما تحاول السلطات المتحكمة حالياً القيام به هو حرف تلك القضايا كما غيرها إلى اماكن بعيدة كل البعد عن جوهر القضايا المطروحة. ما تحاوله هو تحويل فكرة الانتماء الوطني من حالة جامعة إلى حالة انعزال وتقوقع و"وطنية" مفرطة "بالأنا أولاً" ومن بعدي لا شيء، ما تريده من قضية التعددية هو تحويلها إلى اداة انقسام وفدرلة تحت مسميات التقدم أو التطور بشعارات أقل ما يقال فيها أنها استعلائية رافضة لكل ما هو آخر بغض النظر عن طبيعته واصله أو حتى موقعه. ما تريده هو تحويل المواطن من كتلة احلام ومشاعر وهمّ وطني وقضايا اجتماعية وعمل عام وتضامن مع الآخر إلى متسول للقمة العيش ولا همّ يومياً له سوى السؤال عن القيمة الشرائية لمعاشه أو كيفية تأمين متطلبات معيشته الأساسية ليوم الغد (5). لقد تم تحويل المواطن إلى كائن حي ما يلزمه هو متطلبات طبيعية للحياة من مسكن وملبس وغذاء فقط ونقطة على السطر. لقد نجحوا إلى حد ما بتحويل أو بحرف الهم العام إلى الخاص والعمل المشترك إلى فردي والتضامن مع القضايا والشعوب إلى فئوية محصورة ما بين خطاب مفرط في "الكيانية" (6) وقضايا قُزّمت إلى درجة التلاشي. لقد استطاعوا تحويل الشعوب إلى جماعات منغلقة على نفسها مهتمة بذاتها لا رابط بينها إلّا المصالح وتأمينها. لقد نجحوا جزئيا بذلك وليس نهائياً: إذن هناك متسع للمبادرة والعمل فإلى هناك، لم الانتظار؟
إن الواقع المعيش اليوم بتعقيداته قد فرض ايقاعه المتسارع على مختلف الصعد، فالتسارع مرتبط بحجم المشاكل وصعوبة مقاربتها، فمن هنا نفهم الحدة التي اتسمت بها تطورات الفترة الأخيرة والارتجال الذي رافقها أيضاً. ارتجال ارخى بظلاله على مناح متعددة وليست حالة اللااستقرار المسيطرة حالياً إلّا وجهاً من اوجه تلك الحالة. إن العالم اليوم غارق في دوامة المتناقضات، تدور على نفسها دون هدف محدد وليست بوجهة واضحة. العالم ينحو اليوم إلى تعميم ثقافات متناقضة شكلاً ومضموناً، ومفاهيم مغايرة أو لنقل مشوهة فكراً وممارسة. فلون البشرة ليس تعددية وقبوله ليس انفتاحاً على الآخر، بل هو وبكل بساطة لون البشرة ولا شيء سواه وقبوله المجتمعي ما هو إلّا امر طبيعي وبديهي، فلماذا إذن هذا الافتعال أو ادعاء مقاربة تلك الأمور؟
إنه لمن البديهي ان يكون التعدد هو ذلك المزيج المتنوع والمتعدد الاتجاهات الثقافية والاجتماعية والمناطقية وحتى الدينية، فلا اللون هو الأساس ولا اظهار بعض النماذج "الصورية" (من صورة) هو براءة استخدام وشهادة حسن سلوك في السياسة والاجتماع والممارسة. القضية هنا هي قضية اخلاقية بالدرجة الأولى وليست قضية مظاهر مشوشة وخطاب سياسي خادع ومخادع وفارغ من حيث الشكل والمضمون معاً. القضية هي قضية ممارسة جادة وفاعلة ومتفاعلة وليست مجموعة مسرحيات تلفزيونية سيئة الإخراج وممثلين هواة. انها إذن قضية حقيقية وليست وعدا أو قولا عابرا محدودا أو لنقل منتهي الصلاحية.
إن الاجتماع الإنساني لطالما كان المؤسس لأنماط الحياة الجماعية والاجتماعية كافة، فلا يمكن تصور حياة اجتماعية أو سياسية أو ثقافية بدون ذاك الاجتماع الناتج والمنتج لها. لقد فطر الإنسان منذ وجوده ككائن اجتماعي على هذا النوع من الحياة واستمر عليه وانتظم في جماعات ومجموعات واعمال وممارسات وسلوكيات وغيرها، عليها وبواسطتها وبسببها اقام المدن والنظم وأشكال الحكم والدول والمؤسسات، وعلى وقائع موجباتها وضروراتها واحتياجاتها كان يتطور ويتقدم. إن الانتظام الاجتماعي كان السلوك والممر الإلزامي لنمط الحياة أو لإنتاج الحياة الاجتماعية وبذلك يصبح أي تطور أو تغير لأي نمط من طبيعتها يستوجب تعديلا في شكلها ومضمونها وأهدافها وغاياتها. لقد كان اجتماع الناس حول النار في عصور ما قبل التاريخ هو سبب بقاء الحياة الإنسانية والاجتماعية واستمرارها، و كان اجتماع الناس حول الفلاسفة في اثينا القديمة سبباً من اسباب قيام الفكر الإنساني ببعديه المادي والروحاني، وكان اجتماع الناس حول القادة الكبار والقضايا الكبرى هو السبب في الثورات التي هزت العالم وكما هو اجتماع الناس في الساحات العامة وفي الكنائس والجوامع ودور العبادة من أجل التباحث والتقرير في القضايا الكبرى التي تهم مجتمعاتهم جميعها، كما كانت الساحات العامة تغص بالمواطنين احتفالاً بنصر ما أو ثورة على ظالم وتكوّن الرأي العام المُعبّر عن أكثرية فعلية تحمل أحلاماً كبيرة وتحمي أفكاراً عظيمة من أجل التغيير. هذا هو الواقع والمكان الذي كان يُصنع فيه الرأي العام وعلى هذه الصناعة كانت تتشكل المبادرة ويكون التصرف.
بالمقارنة ما بين "كان في يوم" و"اليوم" هناك مسافة كبيرة، ليس بالزمن وإنما بالحدث. تحدثنا عن المكان العام وكيفية ولادة الرأي العام في الفقرة السابقة (هذا الذي كان). لكن اليوم: يتحدثون عن التطور والتقدم التكنولوجي، عن القرية الكونية وصناعة الرأي العام، عن الإعلام والاتصال والتواصل، يتحدثون عن التحديث وكل شئ. ومع ذلك يبقى المركز التجاري هو المكان الأكثر استقطابا لمجموع الناس، يتوافدون إليه باستمرار، أصبح المكان الجامع لمن له حاجة التسوق أو الشرب أو الأكل أو حتى التسلية أو لقضاء الوقت والتسكع، أصبح المكان الأكثر تأثيراً في حياة الناس وسبب اجتماعهم، لقد بز الساحات التي ولّّدت الثورات وأصبح المكان الرئيس لأي مدينة، فيه يجتمعون وإليه يذهبون.
فإذا كنا قد قلنا سابقاً إن مكان تجمّع الناس هو مكان صناعة الرأي العام، ففي عصر العولمة والتطور الصناعي والتكنولوجي من الجائز أن نسأل: أي رأي عام ستنتجه المراكز التجارية؟
إذن نحن أمام مقاربة جديدة مرتبطة بطبيعة تكوين المكان العام واستكمالاً الرأي العام. إن ارتباط المكان بالرأي أصبح من الأمور التي تدخل في صلب عملية التكوين الفكري أو الوعي الفكري المُؤسس للمشروع والسلوك السياسي والاجتماعي. إن تصاعد حدة النقاشات حول القضايا المرتبطة بالمكان أو بالانتماء أخيراً وفي غير دولة ومنطقة لا يمكن فهمه إلّا من خلال ارتباطه بالواقع العام السائد على غير صعيد. إن المؤكد أن ثمة تغيراً ما قد حدث في أمور عديدة متعلقة بسبب اجتماع الناس ونتائجه. إن الاجتماع الإنساني المرتبط دوما بالحاجة هو الأساس الذي يجب البناء عليه لمقاربة وفهم مجمل القضايا المرتبطة أو المطروحة على بساط النقاش. لا فصل بين الاجتماع والمجتمعين والهدف والنتيجة المترتبة على ذلك. مجموع هذه القضايا هو من يكوّن ويشكّل الرأي العام والوعي المرتبط به.

