You are here

قراءة كتاب قضايا قيد التكوين

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
قضايا قيد التكوين

قضايا قيد التكوين

كتاب " قضايا قيد التكوين " ، تأليف د. حسن خليل ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2011 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
No votes yet
المؤلف:
الصفحة رقم: 8

لقد اضحت فكرة التعددية وخاصة في الفترة الأخيرة موضوعا يوميا يفرض نفسه بقوة على المسرح السياسي والاجتماعي والفكري والثقافي وذلك لكثرة ما استُخدم أو استُقدم أو استُغل في مجرى الصراعات الدائرة، في السياسة أو الحروب. إن كثرة استخدامه لم تكن نابعة من طبيعته الغنية أو الاستفادة من تلك الطبيعة في سبيل اقامة مجتمعات متعددة ومتفاعلة، ولم تكن من أجل اظهار هذا التنوع كغنى ونعمة يمكن الاستفادة منهما في حل المشاكل والقضايا الموجودة حول العالم التي يتقاتل الناس من أجلها، كما لم يكن من اجل التبادل الفكري والثقافي والمجتمعي. لقد كان وبكل بساطة لأجل استقدامه واستخدامه كعدة عمل ومشروع سياسي في مواجهة آخر، لقد استُقدم في سبيل تفضيل فكرة على أخرى أو ثقافة على أخرى أو مشروع سياسي على آخر، لقد استُقدم في صراعات "حضاراتهم" المزعومة (للدلالة على المنطق الفكري الذي ساد نهايات القرن العشرين والمرتبط بسياسات المحافظين الجدد في الدوائر الغربية) التي هي في الحقيقة والواقع صراعاتهم السياسية الفعلية والحقيقية للسيطرة على الشعوب ونهب الثروات. لقد استُقدم في خدمة "فكر يميني" مرتبط بمصالح رؤوس الأموال وكبار مافيات تجار الأسلحة والأبيض والأسود وغير ذلك من منتجات فكرهم المهووس بالسيطرة والسيادة. لقد استقدموه لتشويه الآخر بغض النظر عن طبيعته الدينية أو السياسية أو الفكرية أو الاجتماعية، فإن لم يكن معهم ومع مشروعهم فهو إذن ممن تجب محاربته بحجة تخلفه أو إرهابه أو عدم اندماجه. إنها قبل كل شئ قضية سياسية مرتبطة بمصالح كبيرة وخطيرة وآفات فكرية تجتاح العالم أو تحاول، عالم ما بعد الحداثة المنظمة التي أرست قيماً ومفاهيم إنسانية، عالم ما بعد انهيار تلك القيم والمفاهيم، عالم عولمتهم المجسدة بالحروب والنهب المنظم والانتهاك المتواصل لأبسط حقوق الإنسان والطبيعة على السواء (14).

من هنا نستطيع فهم خطورة الواقع السياسي وتأثيراته الاجتماعية عند مناقشة أو في كيفية مناقشة هذا الموضوع. لقد انعكست مجموعة القضايا المثارة حول مواضيع تخص التعددية بشكل كبير وخطير على مجرى الكثير من الاحداث واستوجبت الكثير من الكلام والنقاش والسلوك والتوتر وسوء الفهم والتعصب والتطرف وغير ذلك. لقد استولدت مناقشة تلك القضايا الكثير من السلوكيات المرتبطة بنمط الحياة الاجتماعية لبلدان كانت فيما مضى بمنأى عن الكثير من مثل تلك القضايا. لقد وجدت نفسها اليوم في عين العاصفة المتأتية من رحم تلك النقاشات، إن لم يكن من طبيعتها فمن كيفية استخدامها أو استغلالها (15). لقد اثرت بشكل كبير في العديد من القضايا والأمور والمفاهيم التي تشكل أساس النظام السياسي والاجتماعي. لقد اثرت وبشكل كبير أيضاً في تطور الحياة الاجتماعية التي تشهد في هذه الأوقات بعض الردات "الرجعية" في مقارباتها لبعض البديهيات السابقة. إن خطورة الواقع السياسي-الاجتماعي المستجد تتجلى وبشكل واضح في النتائج التي ترتبت وستترتب على مثل هذه النقاشات التي سنتوقف عند قضيتين أساسيتين فيها:

- القضية الأولى، الخوف على الهوية: إن طرح فكرة أو موضوع التعددية من زاوية الانتماء والهوية الوطنية، (هي قضية سنعود إليها لاحقا) ، يجعل القضية أكثر تعقيداً وأكثر حساسية واسهل استغلالا: من الممكن استخدام أو استغلال المسألة كما لو انها نفي للآخر، وهذا بكل تأكيد يستوجب استخدام أو التمسك بذهنية فئوية أو الاحتماء بانتماء قصد الحماية أو المحافظة على "كيانية" كشكل مرتبط بوجود خائف من تهديد داهم أو قادم أو حتى من احتمال قدومه، أو أكثر من ذلك من وهم مثل ذلك الاحتمال (16). كما يمكن استخدام هذا الموضوع من زاوية السيطرة على الآخر وهذا يقود إلى النتيجة نفسها أي التعلق بشكل الانتماء مخافة سيطرة الآخر أو السيطرة على الآخر وهنا لا فرق فالنتيجة واحدة. إن مقاربة تلك الفكرة من زاوية قضية الخوف على الهوية وبالاتجاهين يجعل منها قضية اساسية في مجرى وشكل تطور النقاش المرافق والنتائج التي ستترتب على ذلك. إن خطورة الموضوع تكمن في سرعة استخدامه وسوء استغلاله، فاستثارة الغرائز المرتبطة بسوء الفهم تؤدي دائماً إلى اماكن خطيرة، البقاء فيها خطير والعودة منها صعبة والاستثمار فيها مجدٍ لمن يتمتع بعقلية "المتعالي" بفكره والمتباهي بأصله والذي هو وبكل وضوح وتأكيد من اصحاب الرأي الواحد والعنصر الواحد والسلوك السياسي الواحد والرافض للآخر. من هنا نفهم أو يمكننا فهم دقة وخطورة طرح مثل هذه القضايا في ظل ظروف سياسية متأزمة، في ظل مراحل ما انتقالية وهذا ما يفسر على نحو جلي كثرة طرح القضايا المتعلقة بالتعددية وامتداداتها في العقدين السابقين وهذا بالتأكيد يدعونا إلى التنبه إلى الخطورة المتأتية من نتائج هذا الطرح وهذا الموضوع. وعليه تصبح قضية الخوف على الهوية قضية خلافية بدل أن تكون وفاقية كما أنها بدل ان تكون عامل وحدة تصبح عامل تفرقة واحتراب ولكن هذه المرة بمنطلقات مختلفة.

- القضية الثانية، المشاكل المرتبطة بالثقافة والاجتماع: ارتباطاً بالسابق واستكمالاً له تصبح النقاشات في تلك القضايا بجوهرها خلافية، أي تمهد لإنتاج وقائع وسلوكيات مغايرة تُرخي بظلالها على مجمل القضايا والأحداث المرافقة مما يجعل مسألة الهوية والخوف عليها قضية تستوجب أو تستتبع أموراً أخرى، منها ما هو مرتبط بها ارتباطاً مباشراً ومنها ما هو مرتبط بنمط ونوعية السلوك المستجد، ويضعها في موقع صعب وحتى مشتبه ومشوه بحكم النتائج المترتبة على ذلك. إن التمسك بالهوية أي بالمعنى الضيق لها يفترض التمسك بموجباتها من سلوكيات ثقافية أو عادات أو لغة أو حتى انتماء ديني واثني. وعليه تصبح مقاربة الآخر مرتبطة بمدى القرب أو البعد أو التناقض أو الالتقاء وليس من موقعه المستقل. هذه المقاربة تجعل الآخر يطمح ويسعى إلى السيطرة التي توجب من "الآخر" الآخر سلوكا يحمي نفسه وهويته الوطنية والثقافية. بذلك تصبح القضية قضية بقاء قائمة ومُؤسسة على رفض الآخر لا بل على منطق نفي الآخر وفي الاتجاهين. هذه المقاربة لا يمكنها التوقف عند هذا الحد بل ستتعداه إلى البعد الاجتماعي المرتبط بموروثات وعادات وتقاليد. هذا البعد يخضع للمعايير السابقة نفسها، فتصبح قضية التمسك والتشدد في الموروثات شكلاً من أشكال اثبات الهوية بأوجهها وجوانبها كافة واي تراخ هو مرفوض ومستنكر لأنه سيصبح فعل خيانة وتنازل، مما سيفسح في المجال لسيطرة الآخر واشغاله حيزي الزمان والمكان مع كل ما يترتب على ذلك من امور وخطاب وسلوك. هذه الوقائع ستفرض إذن طابعها ومنطقها على التطور اللاحق للأمور وانعكاساتها الاجتماعية وهذا وبكل تأكيد لن يؤدي إلّا إلى مزيد من التوتر الاجتماعي المرتبط بصراع "هويات" مزعومة وسلوك نهايته هي حتماً مشروع سياسي يستفيد منه الأكثر "ظلامية" وتطرفا في خطابه وفكره ونهجه وسلوكه.

إذن وبالإجمال تصبح قضية الخوف على الهوية أو قضية المشاكل الناتجة عنها وخاصة المرتبطة بالسلوك الاجتماعي هي المحددة لبوصلة الحياة السياسية. هذا التحديد سيفرض وبكل تأكيد منطقه ونهجه على التطور اللاحق في المجتمعات. إن فقدان عامل الثقة المتبادلة بين المكونات هو وبكل تأكيد مشكلة بنيوية في تكوين الحياة الناظمة للمجموعة بكل اتجاهاتها ومكنوناتها وماهيتها، وسيؤثر حكماً، وحتماً في الطبيعة المؤلفة للنمط الاجتماعي مما سيفرض سلوكيات ومظاهر تعبير تختلف من حيث الشكل والمضمون والنتيجة عما سبقها وبذلك يتكوّن ما يمكن أن نسميه "الرأي العام" الذي هو، من حيث الطبيعة والوجود والوظيفة، نتيجة منطقية للسلوك المُتبع والمُعتمد وعلى ذلك تتشكل القضايا السياسية والاجتماعية، وعلى اساسها يتكوّن المشروع السياسي الذي يُعتمد في طريقة الحكم أو الوصول إلى الحكم مع ما يستلزمه من سلوكيات وممارسات ضرورية.

Pages