You are here

قراءة كتاب قضايا قيد التكوين

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
قضايا قيد التكوين

قضايا قيد التكوين

كتاب " قضايا قيد التكوين " ، تأليف د. حسن خليل ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2011 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
No votes yet
المؤلف:
الصفحة رقم: 3

من هذا المنطلق تصبح الحاجة إلى فهم الأسباب الموجبة لأي عمل من الضروريات التي يجب التفتيش عنها والعمل عليها. إن مجموع القضايا المطروحة اليوم للنقاش على الصعيد العالمي وفي مجمل المواضيع لا يمكن ولا يجب اختصارها بالقضايا التي سنحاول مناقشتها في الآتي من هذا النص. لكن حدة القضايا المطروحة والمرتبطة بالهوية والانتماء الوطني أو التعددية أو تكوين المكان العام وارتباطه بمسألة الديمقراطية تصبح من المهمات التي يجب الانخراط في نقاشها نقاشاً جدياً، وذلك لسببين اثنين: الأول وكما قلنا للأهمية المرتبطة بهذه القضايا وضرورة كشف حقيقة الأمور، و الثاني مرتبط بالخطورة المترتبة على حرف مثل تلك النقاشات عن مسارها الطبيعي إلى اماكن يُراد بها قضايا واستهدافات أخرى.

إننا وبكل تأكيد أمام إشكالية كبرى تفرضها طبيعة القضايا والمفاهيم المطروحة كمواضيع للنقاش. إن أولى تلك الاشكاليات هي الطبيعة "المؤشكلة" لكل مفهوم وارتباطه بالواقع السياسي والاجتماعي والفكري والأيديولوجي، وثانيها ما هو مرتبط بالسلوك السياسي والاجتماعي للأفراد والجماعات التي تمارس مثل تلك القضايا سواء اكانت ممارسة والتزاما فكرياً أم سلوكاً عملياً، وثالثها ما هو مرتبط بالواقع السياسي المسيطر وخاصة في هذه الأثناء التى نشهد فيها ازمات متعددة ممتدة من ازمات سياسية إلى اخلاقية وما بينهما. لذلك تصبح الصعوبة متركزة ومتمركزة في المكمن الدائم والقائم على التقاطع والتقارب وربما التناقض بين القضايا ومدى ارتباطها بالسلوك السياسي الحالي. نحن إذن على الخط الوهمي الفاصل ما بين النظرية والتطبيق أو ما بين القول والممارسة أو ما بين الفعل الواعي وردة الفعل الغرائزية. مكان صعب من حيث المكوث أو التموضع فيه على نحو دائم لأن حجم القضايا وصعوبة مقاربتها يتطلبان أكثر من الفهم لطبيعتها ولسبر اغوار ماهيتها ومكنوناتها، لأن المشكلة لا تكمن في صعوبة الفهم وإنما وبكل بساطة في سوء الفهم أو في استغلاله من أجل قضايا ومآرب بعيدة بعض الشيء عن طبيعته واستهدافاته أقله في المعلن منها.

تعددية وهويات ومراكز تجارية هو مفهوم ثلاثي الاعتبارات والأبعاد، ليس التسلسل الزمني أو التتابع هو الأساس أو هو المراد نقاشه وإنما الترابط القائم بين "القضايا" الثلاث ومدى تأثيرها في الواقع المعيش هو ما نريد قوله، ببساطة، إن المستجد اليوم هو اعمق بكثير من الذي يُعلن على غير صعيد. فإذا كانت العولمة قد أرست مفهوما جديدا لمنطق التشارك والانفتاح والديمقراطية ومقارباتها وغيرها من الأمور، هي وبدون شك أيضاً قد اضفت مقاربة أو فهما جديدا للثالوث السابق الذكر في الفهم أو التعريف أو حتى الاستخدام. وعلى هذا الأساس نشأت بعض السلوكيات التى اعُتبرت جوهرية واساسية في دراسة وفهم القضايا الاجتماعية والتعامل معها وارتباطها بالسلوك السياسي العام.

أول ما سنطرحه هو قضية التعددية ببعديها المفهومي والعملي المرتبط بالسلوك السياسي المرافق وتأثيره في مجرى الأحداث. أهمية هذا الموضوع نابعة من طبيعته المؤشكلة وتعدد التعريفات أو التحديدات المنسوبة إليه. إنه المفهوم الأكثر استعمالاً وحضوراً خاصة في الآونة الأخيرة. تكاد لا تخلو أي قضية مهما كانت طبيعتها من ذكر أو استناد أو تطرق إلى هذا المفهوم. طبيعته التشاركية مرتبطة بطبيعته العملية وكثرة الاستخدام، مما يجعله مادة للمناقشة والحوار والاختلاف وحتى للصراع. إن الأهمية المفترضة لموضوع بحجم التعددية تكمن فعلياً بأهميته الناتجة من طبيعته القائمة على التنوع الجامع ضمن التركيبة الواحدة بغض النظر عن طبيعة هذه التركيبة سواء الاجتماعية أم السياسية أم حتى الدينية أم الإثنية... إن التنوع هو بكل بساطة مصدر غنى مجتمعي وفكري مرتبط بتعدد المصادر المعرفية أو الإبداعية أو حتى بتنوع القراءات للموضوع الواحد. على هذا الأساس يجب ان تتم عملية النظر إلى هذا الموضوع، أي من زاوية الإكثار من الآراء لإغناء الفكرة أو فهمها أو تبيان مكنوناتها. للأسف لم يتم التعاطي على هذا الأساس وإنما وبكل بساطة وخبث في الوقت نفسه، اعُتبرت التعددية هي الوسيلة الناجعة لبث الفرقة والاختلاف واظهارها كمادة حقيقية بأيدي السلطات السياسية لبسط سيادتها من خلال التفرقة. إنه فعلاً منطق مقلوب ولكن للأسف موجود وبقوة.

إن النتيجة الطبيعية المتأتية عن هذا السلوك لا تقل قتامة أو غموضا. لقد انتجت، وكما قلنا، واقعا مقلوبا غامضا لا بل خطيرا. ترجمته كانت بسرعة الانقلاب الذي حصل في المفاهيم والقيم على غير صعيد وعلى أكثر من مستوى ومسارعة الكثير إلى تبني هذا الواقع المقلوب بأبعاده واستهدافاته وسلوكياته. كانت ترجمته من خلال إعادة طرح قضايا اعتُقد أنها منتهية المناقشة ومحسومة التعريف والفهم والممارسة. لم تكن قضية الهوية والانتماء الوطني إلّا من تلك القضايا المستغرب اثارتها في الوقت الراهن وعلى هذا النحو المفاجئ والغريب. غرابة الموضوع مرتبطة بالظرف الزماني أولاً وبالمستجدات ثانيا وبالواقع السياسي الطاغي ثالثاً. إن الذي استجد ما بعد فترة الانهيارات وسيادة منطق "العالم الحر"، المرتبط بإشاعة الديمقراطية وحقوق الإنسان، وسيطرة منطق العولمة والانفتاح والحوار وقبول الآخر والسلام وإلى ما هنالك من امور تدخل في هذا القبيل، يدعو إلى الريبة والاستغراب. كيف تعادُ في زمن الانفتاح وزمن التشكيلات السياسية الناتجة عن توحيد دول عديدة في منظومة اقتصادية وقانونية واقتصادية وامنية وغيرها، وفي المنظومة نفسها مناقشة مثل تلك القضايا. من المتعارف عليه منذ عهد العقد الاجتماعي الذي اعقب الثورة الفرنسية عام 1789 أن مثل تلك الأمور قد وُضعت جانباً. السؤال الآن لماذا اثارتها مجدداً ولأي هدف ولمصلحة من؟

إن الجواب المطلوب لن يكون متاحاً إلّا من خلال دراسة ومناقشة أسباب طرحه الحقيقية وارتباطها بالمستجدات السياسية الناشئة والمعيشة حالياً في العالم. إن الأسباب الموجبة لطرح السؤال لا تبتعد كثيراً عما ستعطيه الإجابات المفترضة. لن تبقى المشكلة في نوعي الأجوبة، المعلن منها وغير المعلن، أو لنقل الرسمي المرتبط بالجهة السياسية وغير الرسمي المرتبط بتحليل الأحداث وكيفية ادارتها ونوعية الخطاب السياسي وحقيقة استهدافاته وأخيراً النتائج المترتبة على ذلك. لسنا أمام معضلة كبيرة أو مستعصية، إننا وبكل بساطة أمام واقع مهزوز مرتبط باهتزاز الكثير من المفاهيم والقيم. واقع تفرض طبيعته إعادة فهم ومناقشة القضايا المحيطة به بدءاً بقضية ومشكلة الديمقراطية في المجتمعات التعددية وما يرافقها من امور تدخل في النطاق المعرفي والسلوكي نفسه وارتباطاته السياسية الناتجة عن استخدام اللغة الخشبية نفسها في مقاربة القضايا والمستجدات. إن استخدام الخطاب نفسه من الطبقات السياسية الحاكمة ببعديها الطبقي والطائفي أو المتواطئ معها امر يدعو إلى الريبة كثيراً نظرا إلى التناقض الواضح والمفضوح ما بين القول والفعل وفي الفعل نفسه ولكن بمناسبات واماكن مختلفة.

Pages