(الموت) عادةً ما يأخذ الشعراء مهما كثروا وتعدّدوا وتنوّعوا وتوثّبوا لكنه لا يأخذ الشعر مهما قلّ وتخفّى وندر، ويأخذ الأصدقاء مهما تعاظمت أعدادهم وتباينت نواياهم لكنه لا يأخذ الصديق الواحد مهما انفرد، فأمام كثرة فنون الاختيار وزحمتها تبقى القصيدة الخلاّبة هي
You are here
قراءة كتاب سيمياء الموت
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 6
مدخل في منهجية النقد السيميائي
تحتلّ قضايا المنهج النقدي عموماً على مستوى الرؤية والتصوّر والإجراء والفعالية والحضور، المساحةَ الأكثر خصباً في التفكير والتنظير والتطبيق داخل المدوّنة المعرفية الحديثة، وهو ما انعكس ضرورةً على النظرية الأدبية في إجراءاتها النقدية على صعيدي التعدّد والتنوّع.
فإذا كان تعدد المناهج النقدية دليلاً حيّاً على خصوبة العقل الإنساني وفاعليته ورفضه السكونية والثبات والكسل والقناعات النهائية، فإنه في الوقت ذاته دليل على تمدد وانفتاح وخصب الحقل الأدبي الذي تشتغل فيه تلك المناهج، وما تطلع في أرضه من ثمرات جديدة ومغرية ومثيرة، وما يجري على الأنواع من تجدد وتحديث، فتصبح الحاجة بإزاء ذلك إلى أدوات جديدة في الفحص والوصف والتحليل ضرورة لا بدّ منها لحياة الكتابة النقدية نفسها(1)، وهي تستعين بقوّة المنهج وشمولية الرؤية وصولاً إلى أمثل قراءة ممكنة للنصوص الإبداعية، وأكثر وأفضل استنطاق حرّ وجمالي للظواهر الأدبية في سياق حركية الأدوات النقدية في التحليل والتفسير والتأويل.
لا بدّ في هذا السياق من إدراك أن المنهجية السيميائية في رؤيتها الفلسفية «تنطلق من الشكل، في فهم الإنسان، ولا تطمح إلى أكثر من وصف الوجود»(2)، على النحو الذي يكون بوسعها الكشف عن حيوية هذا الفهم وحراكه وشغله داخل كيان الشكل، ومن ثمّ وصف فعاليته العلامية التي تصوّر حساسية ذلك وتنتج معناه من خلال الكيان الوجودي للإنسان، ومن خلال فلسفة التوجّه نحو صوغ النظام الدلالي في الأشياء والرؤى المكوّنة لهذا الوجود داخل أعماق الدوال ونظم تشكيلاتها.
تهتمّ منهجية النقد السيميائي في هذا الخصوص بدراسة حقول الأدب ووسائل التعبير الخاصة بمنطقة النص(3)، بوصفه حقلاً معرفياً أدبياً(4)، يعمل على توصيف الوجود لغرض فهم الإنسان عبر حركة الدوال في النصوص والظواهر، والكشف عن قدرة وسائل التعبير وأسلوبياتها للتوصل إلى هذا المناخ في الفهم والإدراك والتمثّل، على النحو الذي يبرّر جدوى الفعل المنهجي على النصوص.
لذا فإن منهجية النقد السيميائي لا تتوقّف عند حدود النص بآلياته البنيوية المكتفية بذاتها والمغلقة على نفسها ـ كما يرى الناقد البنيوي رولان بارت ـ، بل تنفتح على أنموذج الخطاب في اتصاله الفاعل بالمتلقي، وامتداد حدوده عبر الفضاء الثقافي العام المشكّل للرؤية النصيّة في سياقها الجمالي والتمثيلي، إذ «إن الدراسات السيميائية للنص الأدبي تتميّز بحرصها الشديد على فهم العلامة الأدبية في مستوى العلاقة الجدلية بين النص الأدبي والمجالات الثقافية الأخرى»(5)، بحيث يتجلّى فهم الإنسان داخل وسط كثيف وثري وعميق من الحساسية الثقافية العامة، وهي تتداخل وتتماهى وتتحايث مع الحساسية النصية لتؤلّف هذا الجدل المعرفي الذي يقود إلى إنتاج المعنى.


