رواية "القادم من القيامة"؛ عنوان ينقلك الى السماء مباشرة الى عالم الغيب، ويظهر ذلك جليا من خلال الرسم التعبيري على غلاف الرواية، حيث يقف انسان في ظل شجرة وهو ينظر الى غيمة في السماء.
أنت هنا
قراءة كتاب القادم من القيامة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 2
أخبرني ماذا تفعل الآن، ها أنا الآن أقف مقابل بيته، وأنظر إلى شجرة التوت التي كنا نمارس سعادتنا في ظلالها، قليل من الشاي وكثير من الموسيقى والغناء وبعض الثمرات، لقد لمّ المساء كل شيء الآن، ولم يبق سوى آثار ضحكاته وبعض الأوراق المدرسية التي تركتها الطفلة التي حملتها يوما ساعة الدفن، كل شيء كبر· لقد شاخت عرائس الجن وكبرت الأعشاب حتى كادت تغطي قبر صديقنا، وليس هذا فحسب، هل تصدق أنني اليوم أكمل الأربعين، ما هذه السخرية؟ لقد بلغت الأربعين، للمرة الأولى أشعر أنه من الممكن أن أشتم رائحة الموت· أربعين سنة وأنا أمارس ما تدعوه تفاهات·
سيتحلقون يوما حول قبر جدك القديم، ليعيشوا ذكرى البطولة والسهر والمناجل·· وأن يقتنعوا أن عرق جدك ودابته صبيحة الحصاد ليس أمرا عاديا، لن أستطيع الخروج من هذه التفاهات يا صديقي، ما زلت حتى اللحظة أنتظر قيام الناس، وأذهب عند شجرة التوت، أدخن سيجارة تلو أخرى، وأستمع إلى صديقنا يقرأ عليّ رسائل حبه، ويحدثني عن تلاقي النظرات عند مفترق الصنوبر الأعلى أيام الحصاد·· وبعدها وقت نضوج العنب والصبار·· أعيش حتى اللحظة بلذة كلامه، وأقرأ تقاسيم وجهه عندما كان يقول: >عندما اقتربت من المفترق ووصلت إلى النقطة الأضيق بيني وبينها، رأيت سواد عينيها للمرة الأولى، عندها ابتسمت وابتسمت، ولا أدري لماذا ضاعت ملامح وجهها من مخيلتي، بمجرد أن تجاوزتها، لم أستطع من النشوة والفرح النظر إلى الخلف، كنت أهرب مستعجلا لألاقي ذكرياتي وأستعيد لون عينيها مع ابتساماتها، وكيف كانت تفرك يديها الرقيقتين على سلة التين، وقتها ذهبت إلى بيت جدتي القديم، جلست على الدرج المعشوشب، وصعدت إلى قبته التي أصبحت خضراء من تراكم الطحالب، جلست حتى مغيب الشمس، كنت وقتها تطلب منه أن يعيد المشهد أكثر من مرة، وكنت تصفق نشوة وسعادة· هل تذكر ذلك؟ أمر الآن عند جسر الحديد الكبير الذي كنا نسهر إلى جانبه حتى ظهور النهار، وصياح الديكة، أتذكر عندما قتلنا الأفعى الكبيرة خلف الجدار الحجري، كنا وقتها قد ذهبنا لنطمئن على عش البلبل، الذي عثرنا عليه عند بطن الجبل، تماما عند المنطقة التي يستقر فيها ظل الواد مع ظل الجبل، حيث تنتشر الطحالب، وتترك المياه النازفة بين البساتين اللون الأسود المخضر على بطن الصخر، كان الحر في بداياته عندما جفل الحمار وسقطت، رأيناها تدخل السلسلة الحجرية، كانت تزفر وتخرج لسانها بشكل جنوني، عندما انكشف رأسها من التراب الرطب حملت حجرا وضربته فأخطأتها، لكننا قتلناها أخيرا، وحملناها إلى جدي لنفخر بإنجازنا، كان ذلك قبل أكثر من خمسة وعشرين عاما، قبل أن أبلغ الأربعين بالطبع، أتمنى للحظة الآن أن أرى شعري خاليا من الشيب، كنت تحسدني دائما على كثافته وسواده الحالك، للمرة الأولى أعرف معنى التداخل بين الحياة والموت، لقد توفي الصابر صديق والدي الحجار، هل تذكر أصابعه الغليظة وشاربيه العريضين؟ لقد عايش الصخر أكثر من أربعين عاما·


