أنت هنا

قراءة كتاب القادم من القيامة

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
القادم من القيامة

القادم من القيامة

رواية "القادم من القيامة"؛ عنوان ينقلك الى السماء مباشرة الى عالم الغيب، ويظهر ذلك جليا من خلال الرسم التعبيري على غلاف الرواية، حيث يقف انسان في ظل شجرة وهو ينظر الى غيمة في السماء.

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 9
كل شيء يظهر من النافذة أسود أمامي، إلا بعض بقع الضوء البعيدة، وعواء بعض الكلاب عند بطن الوادي، كانت الضباع كما كان يقول جدي تظهر في الشتاء أكثر، يقولون إنها تتحكم بقوة الإنسان، فيسير خلفها إلى كهفها حتى تلتهمه بهدوء، لكن المرء عندما يصل باب الكهف تصطدم جبهته بأعلى المدخل المنخفض، يصحو ويفر وينجو بحياته، لو أنني تزوجت وأنجبت لأعدت هذه الحكايات على مسامع أبنائي، كان أبي، رحمه الله، يحدثني دائما كأنني رجل كبير، ما الذي فعلته طوال أربعين سنة سوى اجترار الذكريات، مات أبي وجدي، منذ فترة قصيرة، كان أبي يقول عندما يرى شابا لا يعرفه، أنت، سبحان الله، بالأمس كان أبوك يصطحبك إلى معصرة الزيتون، كنت صغيرا تلتصق به وترفض أن تترك يده، أنت الآن شاب، أصبحت أرى ذلك الآن وأشعر به، كل شيء تغير حتى السروة الصغيرة التي كنت أركبها حصانا في ذهابي وإيابي إلى المدرسة، أصبحت ضخمة وغليظة ومسكنا للأفاعي الرقطاء· العصافير، والبوم، والجراذين، حتى الشتاء تغير، لم نعد نشهد تلك الليالي والعاصفة الماطرة، التي كانت تمنعني وإياك من العودة إلى بيوتنا أيام كنا نزور جدتك، فكنا نضطر للمبيت عندها·
 
كانت تفرش لنا على الأرضية الاسمنتية الملساء فرشتين متجاورتين·· بعد أن تغطي الأرضية بذلك البساط الملون بالأحمر والأسود والأبيض، أذكرها، كانت تعصب رأسها برداء أسود شفاف يلتف حول وجهها، وكان الوشم يمتد كخط أخضر رفيع بين ذقنها وشفتها السفلى، كانت نحيلة، دائمة الحمد والتهليل، كنت أحب زيارتها كثيرا، كانت تطعمنا دوما من حلويات الشتاء التي تعدها على النار، كل شيء كان له مذاق لذيذ ورائحة أخاذة، أتمنى للحظة أن يعود بي الزمن ثلاثين عاما لأستعيد لحظات النشوة، واللذة، في انتظار قرص الخبز المعجون بالزيت والسكر في الشتاء البارد، كانت تحكي حكايات غريبة عن الضبع، وعن شجاعة أجدادنا·
 
ها هو الصباح··· أسمع خشخشة سماعات المسجد، الصبح ينبلج، أمامي الوادي المسكون بالزيتون والسرو والصنوبر، تعلو غيمات خفيضات يضفن إلى البرد صقيعا مضاعفا، بعض الطيور السوداء تحلق حول رؤوس الشجر، البرد يلسع جسمي، أصابعي باردة جدا، لماذا لم أستطع النوم تلك الليلة، كم مرة سأتذكر تلك المحادثة، رجل في الأربعين ما زال يمارس عادات الصغار في التذكر والأمنيات· كل شيء تغير وتبدل إلا أنا، حتى صديقي الذي كان ظلي بدأ يسخر مني، ما هذه الذاكرة المجنونة، وما هي الحياة المملة العجوز في انتظار الموت؟ هل أغادر وألحق به هناك·· ولكن ما الفائدة؟ كل شيء تغير، وأنا أسير لذلك الموت أشفق على حجارة القبر من البرد، كل شيء تغير·
 
- ألن تعود؟

الصفحات