أنت هنا

قراءة كتاب السماء شاغرة فوق اورشليم (2)

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
السماء شاغرة فوق اورشليم (2)

السماء شاغرة فوق اورشليم (2)

السماء شاغرة فوق اورشليم (2)؛ للكاتب سليم بركات، هذا هو الجزء الثاني، والأخير، مُلْحَقاً بالرواية، جَرْياً بوقائعها على سكَّة الحملة الصليبية الثالثة أعلنها البابا غريغوري الثامن تعبئةً، حتى سقوط عكا في يد الفِرَنْجة· سردٌ يمضي، هنا، بسيرة العسكري توران، ال

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 3
الهَرَمُ قريباً من طبريَّة
 
انزلقت يدُ البابا غريغوري الثامن اليسرى سهواً عن مسند كرسيِّه، ذي التعاريق النَّجْرِ متعرِّجةً بطَّنَها قِشرٌ ذهبيٌّ راكدٌ من مسيلٍ ذهبيٍّ· أفاق من إغفاءة لم تُغمض منها عيناه، بل سَها قلبُه فأغمضَ لحظةً من سكون المجْمع الكنسيِّ، في بهو البلاط الرهيفِ الصمت، بعد خمودِ الأصداءِ نزفتْها كلماتُ الكرادلة في حلقتهم الواسعة· شِسْعُ البهو المترامي الخلاءِ وطَّد للصوتِ المحتجب استراحةً صلبةً، مقسَّمةً بالتساوي في المسافات بين الأعمدة تحيط بتيجانها ملائكةٌ أطفالٌ يسندون السقفَ الهيكلَ الأرضيَّ لبلاط أبِ الكنيسة، ظلِّ الآب الأصلِ، بأكتافهم السماوية· تنهَّد البابا· أعاد يدَه اليسرى إلى النهاية المنحنية لمسند كرسيِّه· أَدار وجهَه بأناةٍ تحت تاجهِ العالي، الثقيل، إلى رسمٍ على جدار البهو انزلقَ على حُمرة اللون الغالبة فيه شعاعٌ من النافذة العالية، وراء الكرسيِّ المُبجَّل· شعاعٌ من صباحٍ ناضج النور على غصن الوقت فتَّقَ الجزءَ الأيمن من الرسم عن رداءٍ أحمر، طويل، ذي طيَّاتٍ اسطوانيَّةٍ من أسفلَ داكنةِ الثنايا· أمُّ يسوع العذراءُ تنظر لَحْظاً إلى الثوب، باستدارة من مجلسها منحنيةً على ابنها الطفل· لا يُرى لابسُ الرداءِ في الرسم· هو نصفٌ أسفل لا غير، إلى يسار المرأة في خمارها البُنيِّ الناصِل· عينا البابا استقرَّتا هناك، على ما اختصَّهُ الشعاعُ لنوره من الثوب أحمر عقيقاً، بطيَّاتٍ داكنة الظلِّ كالخرزةِ الزَبَرْجدِ الزيتونيِّ الكبيرة في خاتم سَنَد اللهِ على الأرض البابا غريغوري، الذي هيَّأ توًّا، قبل استغراق الأعمدة في السكون وطَّدَ للصوت، الذي تعالى قَبْلاً من أفواه الكرادلة، استراحةً صلبةً، منقسمةً بالأعشار المتساوية بين قلوب أهل المَجْمع في قبَّعاتهم المضلَّعة الحمراء، أو الخُمُرِ بسيطةً أرْخَوها على رؤوسهم السارحة في رؤيا الكلمات: السماء جرحٌ فوق أورشليم· سنحمل الجرحَ عن مملكتك أيها الآب، هذا ماردَّدوه قبْل صمتهم المقسَّم أعشاراً متساوية في بهو البلاط المقدس· عينا الحَبْر الأعظم غريغوري الثامن لم تبارحا الشعاعَ النُّورَ منزلقاً في بطءٍ يُقاس بسنين صغيرةٍ كنبضِ قلوبٍ في الرسم· عيون الكرادِلة استقصتْ نظرتَه الثقيلةَ تحت التاج الثقيل إلى الرسم جانبياً من عينيه كنظرة العذراء المقدَّسة من لَحْظِها إلى رداء الشخص الواقف إلى يسارها· رأوا، بإلهامِ الوعد الإلهيِّ للمختاريْنَ رُعياناً لخرافهِ ـ خرافِ الحقِّ، مارآه قلب الحَبْر المعصوم في الثنايا الداكنة للرداء الأحمر، إلى يسار العذراء· ثنايا هي جبهاتُ الأرض تُطوى ظلالاً من هول الوعيد: فرسان الظلِّ قادمون· الفرسانُ الظلالُ، التي لن تنحسر قط· خاصَّةُ الظلالِ أن تنحسر وتَلْشو بانحسار الجسومِ الهيئاتِ الثِّقلِ الكتيم· لكنْ هُم الفرسانُ الظلالُ صادرةً عن الجسم الإلهي الذي لاينحسر· هُم الظلالُ لاتنحَسرُ؛ لاتُؤْسَر؛ لاتُجرَحُ، لاتُقْتَل· فرسانُ الحملة الثالثة الفرسانُ الظلال· الكرادلةُ، والبابا، تنسَّموا الهواءَ داكناً من ثنايا الرداء في الرسم الكبير معلَّقاً إلى جدار البهو، على يمين الكرسي الفخم، ذي النَّجْرِ المتعرِّجِ سواقيَ مبطَّنةً بقشرٍ ذهبٍ· لقد هيَّأَ غريغوري الثامن وحيَ المحنة من جرح أورشليم بدعاء الغفران: أبانا، سامح الحجرَ الذي يَخذل· سامحِ السيف الذي يخذل· سامح الجوادَ الذي يَخذل· سامِحْنا· سيتنفَّس البحرُ الصعداءَ بأساطيلِ أبنائك· ستتنفَّس اليابسةُ المقدَّسةُ الصعداءَ فتح يدَه اليمنى على علامة البلاغ، مواجهاً الفراغَ: أورشليم، قالها من حنجرة اللوعة في كيانه المهشَّم عاراً من فَقْدِ أورشليم· صمتَ· صمت بهو البلاط الأقدس·

الصفحات