أنت هنا

قراءة كتاب السماء شاغرة فوق اورشليم (2)

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
السماء شاغرة فوق اورشليم (2)

السماء شاغرة فوق اورشليم (2)

السماء شاغرة فوق اورشليم (2)؛ للكاتب سليم بركات، هذا هو الجزء الثاني، والأخير، مُلْحَقاً بالرواية، جَرْياً بوقائعها على سكَّة الحملة الصليبية الثالثة أعلنها البابا غريغوري الثامن تعبئةً، حتى سقوط عكا في يد الفِرَنْجة· سردٌ يمضي، هنا، بسيرة العسكري توران، ال

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 5
بلغت غصَّةُ زُهرابَ عينَيْ خياله فاغرورقتا وهو يستعرض، من أعلى الهرم، الأعراءَ متراميةً بمنافذَ من أفق على أفقٍ إلاَّ من بعض الغياض في البعيد جنوباً·
 
أظنُّ أن موضع خيمة أبيك كان هنا، قال مراد سالم بادِيْدي القصير، القوي البُنية، للشاب· مراد لم يصعد الهرمَ كزُهراب، بل ظلَّ في وسطه، يشير بيده إلى مكانٍ مَّا من الأرض المهجورة كان، ذات يوم، سُرادقاً جنوبَ شرق الهرمِ التراب· صُعِقا كلاهما، زهراب ومراد، لَمَّا بلغا المعسكر المهجور على جوادين يسوقان خلفهما بغلين بحوائجهما· لولا الهرمُ لظنَّا أنهما في غير الموضع المقصود· لكنْ لو حدَّقا مليًّا بعيون أعماقهما المستورة إلى الخفيِّ لرأيَا أرواحَ الدجاج من حولهما مستغربةً منهما ذلك الوقوف القلِقَ· أرواح الدجاج، التي فتك بها وباءٌ تأوَّله بعض أهل المعسكر، آنذاك، كعلامة من علامات العقل الظاهر، لم تبارح الأرضَ من حول الهرم مُذْ دُفِنَتْ جسومُها أسراباً في حُفَر التراب، التي استجلب منها الجندُ لَبِناً لبناء دور قُوِّضتْ، من ثمَّ، بأمر أمير عجلون·
 
كانت خيمة  أَبيك هناك، ردَّد مراد جملتَه متبوعةً بالإشارة ذاتها من يده· التفت زهراب، المستطلعُ ناموسَ المهجور من علياء الهرم، إلى حيث أشار مراد· لا، ردَّ· أشار هو بيده إلى الموضع أبعدَ قليلاً: هناك كانت خيمة أبي· أستطيع تخمين الموضع بالخطوات بُعْداً من دار المؤن· كنت أحمل سطل الطعام من جوار دار المؤن إلى المعسكر: ستة ممرات بين ستة صفوف متوازية من الخيام، بعدها خيمةُ أبي· سكنتُ طويلاً في خيمته قال الشاب متراجعاً بلوعة لسانه الخفيةِ إلى عينيه صريحتين في ترديد تلك اللوعة، نظرةً نظرةً، على المكان المهجور· تراجعت الحُمرةُ في بشرته البيضاء عن خدَّيه· تقوَّس قليلاً في وقفته بجسده الطويل النحيل كأبيه توران موسى شير· نزل درجَ الهرم متباطئاً، وهو ينظر إلى مرادٍ، صديق أبيه، بروحٍ مستنجدةٍ: ماذا سنفعل؟، ساءله· 
 
نزل مراد، بدوره، درجَ الهرم المقضومَ الأحِفَّة بأسنان الأمطار· أمسك بغمد سيفه المتأرجح، من وسطه· تقدَّم هادئاً، مُطرِق الوجه، صوب جواده البنيِّ اللون· رَبتَ بيده على عنق الحيوان يتشمَّم من الأرض ضجرَ نباتِ العَرْفَج الخشن، متعفِّفاً عن أكله·
 
لا أعرف، همسَ ردًّا، ببعض التأخير، على سؤال زهراب ذي الوجه النابت اللحية خفيفةً، غيرَ متَّصِلةٍ بين العِذاريْنِ والسَّبَلة، المشوبة بحُمرةٍ خافتةٍ·
 
لم يخطر ببال مراد أن يجد معسكر طغرل فارغاً مهجوراً، بآثار عُفِيَّةٍ كأنما من قرون· هكذا حسبَ بصرُه السنينَ قياساً بالخيبةِ من اللآَّمتوقَّع· هما سنتان، أو أقلُّ قليلاً، لم يزُرْ توران عيالَه· استأخرهُ المشتغلون بحنينهم إليه، والمشتغلون بقلقهم عليه، فأرادَ حَسْمَ الأمر بمواكبة ابنه إلى المعسكر استجلاءً يحسمُ الظنون بالخبرِ الفصلِ، فأطبقت عليه الظنونُ إذ بلغ عراءً قَفْراً ليس فيه من أنفاس الإنسان إلاَّ هرمٌ ترابٌ، وجدرانٌ هي بقايا دار المؤن المتداعية· اختلطت عليه مذاهبُ فكرته في وصف ما هو فيه مع زهراب، وفي تلفيق مخرجٍ للعبور إلى الممكنات: منذ متى هُجِرَ هذا المكان؟، تساءل مراد من غير أن يتسقَّط جواباً من زهراب الحائر حتى الغمِّ·

الصفحات