أنت هنا

قراءة كتاب السماء شاغرة فوق اورشليم (2)

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
السماء شاغرة فوق اورشليم (2)

السماء شاغرة فوق اورشليم (2)

السماء شاغرة فوق اورشليم (2)؛ للكاتب سليم بركات، هذا هو الجزء الثاني، والأخير، مُلْحَقاً بالرواية، جَرْياً بوقائعها على سكَّة الحملة الصليبية الثالثة أعلنها البابا غريغوري الثامن تعبئةً، حتى سقوط عكا في يد الفِرَنْجة· سردٌ يمضي، هنا، بسيرة العسكري توران، ال

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 6

أمسك الشاب، ذو الخِمار الرمادي، برسن جواده· بدا فمُه الواسع أكثر سعةً بحنكه السفلي المتهدِّل حيرةً· لكنَّ عينيه الشهلاوين، الواسعتين، تتبَّعتا كلَّ حركة من مراد؛ كلَّ لفتةٍ أو سكنةٍ؛ كلَّ نَفَسٍ وكلَّ نظرة· انتظر من مراد جواباً عن سؤال مراد: متى هُجر هذا المكان؟ لم يكن يتفكَّر في الخطوة التالية يتهيَّئان بها، هو وصديق أبيه، لِمَا بعدَ المكان المهجور· لقد انحسر خيالُه إلى توسُّلٍ محضٍ يستحثُّ به المكانَ المهجور على ترتيب مشهدٍ يقينٍ يُستعاد فيه المعسكر بكل خيامه، وناسه، كما غادره بعد مهمته ساعياً بالبريد مع سُعاة الوكيل كوتين كُوْر جهاد، صاحب العمامة الخضراء الضخمة، التي يزعم أن البريد الأكثر خطورةً محفوظٌ فيها· لو قَيَّضت المشيئةُ أن يُبعث المعسكرُ من حُجُب المهجور، فسيمرُّ زهراب بين الخيام، من جديد، عوناً للطهاة ينقل آنيةَ الطعام الكبيرة محمولةً بِعصِيٍّ في مقابضها الحلقات إلى الجند· مِغرفتُه، ومغرفةُ شريكه في حمل السطول والدِّلاء، لهما الشرفُ الرِّفعةُ تكيلان المقادير بعقليهما النحاس قبل إفراغها في طاسات الجند المعدن، وآنيتهم النحاس· وزهراب يستطيع، إذا تتبَّع مراد خيالَه، في لحظتهما تلك، أن يقودهُ إلى الخيام الأكثر بذاءةً في الفكاهات، أو الأكثر عِفَّةً واحتشاماً في المخاطبات· هاهنا، ياجناب مراد، كانت خيمة آمر العُشارية دَامُوْزهَالُوكا· اسمه غريب· رجل غريب بعينيه المُكحَّلتين امتداداً من لَحْظَيهما حتى منتصَفَيْ صدغيه· شَرِهُ النظرة· شَرِهُ الفم· كلما دخلنا عليه بالطعام مدَّ طاسته الرماديةَ المعدن هامساً: اسْكُبا لي فيها فَرْجاً في الثانية عَشرة، أو فَرْجَ خَوْدٍ لم تجاوز الخامسة عشرة· يقولها بلكنة أهل بعلبك، في الأرجح· ذلك ما ألْمَحَ إليه أحد شركائي في حمل الأوعية ذوات المقابض ملأى طعاماً، ياجناب مراد· أنا لا أعرف اللهجات، وفروقها· أبي يعرف، ويقلِّدها، من ألسنة أهل بغداد إلى السلاجقة، إلى حوران، إلى صحراء موسى، إلى حضرموت ومكة· داموزهالوكا· ايُّ اسمٍ هذا؟· رأيتُه مرتين يحلق إسْبَ عانته بسكين أمام مدخل الخيمة، غيرَ عابئٍ بأحد· يكشف عن بطنه ممسكاً حاشية ثوبه بأسنانه· كان بعضُ عُشاريته يهرع أحياناً ليستره بعمامته· إنه يريد دخول الجنة بعانة حليقة· داموز يكرر رغبته تلك تصريحاً· ويريد غلماناً في الجنة يحلقون عانته إنْ طالت· هناك كانت خيمة الأعور أحمر سَبْكِي· اسمه أحمر سبكي· ليس آمر عشارية، بل نفرٌ من أنفارها· لم يكن طويلاً، بل عريضٌ كرَجُليْنِ· كيف يكون المرء عريضاً إلى ذلك الحدِّ بلا سُمنة؟· في وجهه ندوب واسعة تُقسِّم لحيته السوداء كممراتٍ، وعلى جبهته فوق عينه العوراء، وعلى أنفه المقطوعة إحدى خِنَّابتيه· للوهلة الأولى بدا لي مرعباً· كان يُصرُّ أنه لا يريد شيئاً من الله إلاَّ الموت في سبيله· ويظن من يريدون على استشهادهم ثمناً دخولَ الجنة تجَّاراً يقايضون الموتَ من أجل الله بالحوريات، والخمر، والحليب، والعسل، والغلمان، والخراف المشوية، وأنهم يفعلون الخيرَ حبًّا بثمن يحصلون عليه· لايفعلون الخيرَ للخير· لاخيرَ مجَّاناً· أحمر سبكي لايريد من الله ثمناً على الخير، إنْ فعل، أو على الموت انتصاراً لدِين الله، إنْ قُتِل في معركة· أنا لستُ تاجراً ـ يقول· لا أريد عيناً سليمةً بدلَ عيني العوراء· سأجلس في الجنة على ضفة نهرٍ ماءٍ، لا نهرٍ عسلٍ أو حليب· سأتصيَّد سمكاً منه لطعامي ولطعام زوجتي وعيالي· هم سيساعدونني في الصيد· لا أريد من الله صيداً وفيراً، بل قَدْرَ كفايتنا· وإن لم نصطد شيئاً فسنشكره أيضاً ـ كان يقول· هنا خيمة عُشارية الأوزبك· لم أفهم من لسانهم شيئاً قط· لكنهم يفهمون كلَّ من يحدِّثهم من الآخرين· إنْ حدَّثتَهم بالعربية باللهجات كلِّها، وبالكردية باللهجات كلها، وبلغات الروم الإفرنج يفهمون·

الصفحات